كتاب الرأي

ندى محمد احمد

الدكتاتور الصغير

من يتابع توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في سياسته الخارجية، يجد نفسه إزاء ملك صغير  يتربع على عرش الدولة الأقوى اقتصاديا وعسكريا على مستوى العالم , ودكتاتور صغير  يصول ويجول  في قلعة  من  أقوى قلاع الديمقراطية العالمية ، فهو يستخدم سيف العقوبات تماما مثل ملك مستبد يتوارث الملك في عائلته منذ عهود طويلة. 
عندما خرج المسؤول الأمريكي ليعلن عن تاريخ بدء سريان العقوبات الأمريكية على إيران في أغسطس الجاري كمرحلة أولى  ، كانت ملامح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تطل عبر وجه، بكل  غطرستها وعجرفتها ، ذات الغطرسة التي أطل بها ترمب على الإعلام عندما أدلى بكلمته التي أعلن فيها خروج بلاده عن الاتفاق النووي مع إيران،  ثم اتجه إلى مكتب هناك ثم وقع على القرار وأخذ يلوح بالخطاب  يمنة ويسرة  تلقاء  الكاميرات المنصوبة تجاهه. ويبدو ترمب متشددا في محو كل إرث للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما  الذي نجح بمعية (فريق خمسة زائد واحد ) المتمثل في روسيا والمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا إضافة للصين، في توقيع الاتفاق النووي مع الجمهورية الإيرانية في مايو  2015  ، بهدف تحجيم الطموح الإيراني بامتلاك السلاح النووي. 
 ومن أهم نتائج الاتفاق  رفع العقوبات الأمريكية والأوربية عن إيران . 
خرجت واشنطون من الاتفاق بينما تمسكت به بقية الدول الأخرى ، بل وذهب الاتحاد الأوربي لأبعد من ذلك فعل اتفاقية تعطيل العقوبات على شركات عضويته الموجودة في إيران ، كما أعلنت تركيا عن استمرارها لاستيراد النفط والغاز من إيران وفقا لاتفاقيات طويلة الأجل . وبطبيعة الحال لم ترض  هذه المواقف الملك الأمريكي،  فقد خرج على منصته الأثيرة تويتر مهدداً ومتوعداً كل من يخرق العقوبات على إيران .  
أما أحدث العقوبات الأمريكية، فهي تلك التي طالت الجمهورية التركية  منتصف الأسبوع الماضي على خلفية رفض أنقرة تسليم القس الأمريكي انرو برنسون الذي يحاكم منذ عام ونصف بتهمة التعاون مع القائمين بالانقلاب الفاشل في يوليو 2016، وقد جاءت العقوبات على مرحلتين ، الأولى فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين ، فردت أنقرة بإجراءات مماثلة ، فأعدت واشنطون الجمعة الماضية فرض رسوم إضافية على وارداتها من الصلب والالمونيوم من تركيا بنسبة (20% و50%) ، وبالرغم من ان واشنطون تدافع عن مواطنيها في الخارج ضد اي تجريم أو تهم تطالهم وتسعى لإعادتهم إليها دون محاكمة سواء على المستوى الدولى أو الوطني للدول المختلفة ، إلا ان ترمب يبدو كمن يملك ثأرا شخصيا تجاه تركيا ، او كأنما هو طفل حقق انتصارا لم يكن يتصوره ، فقد غرد عقب العقوبات الأخيرة على تركيا متشفياً (فرضنا عقوبات على وراداتهم من الصلب والالمونيوم ، وها هي عملتهم تتهاوى أمام دولارنا القوي)، في إشارة لفقد الليرة التركية لـ (20%) من قيمتها إثر تلك العقوبات. 
وشهد الأسبوع الماضي ايضا عقوبات امريكية جديدة على روسيا ، إثر قضية الجاسوس المزدوج إسكريبال ، ولكنها بتوقيع وزارة الخارجية وليس ترمب الذي أصابته هاء السكتة فلم يغرد عنها شيئا ، خاصة وأنها جاءت بعد شهر من لقائه بالرئيس فلاديمر بوتين ، المتهمة دولته في التدخل في الانتخابات الأمريكية   2016التي قادت ترمب للبيت الأبيض على حساب هيلاري كلينتون التي لها مواقف متشددة للغاية من روسيا . ويقود المحقق الخاص روبرت  مولير تحقيقات فيما اذا كانت حملة ترمب تواطأت مع روسيا في الانتخابات؟
ومن قبل خضعت بلادنا لعقوبات امريكية استمرت لعقدين قبل ان ترفع 2017 ، مع بقاء الخرطوم في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب والتي تنتج مجموعة من العقوبات امريكياً ودولياً . إذًا ثمة حاجة ماسة لنظام دولي متعدد الأقطاب ليمنع الهمينة الأمريكية التي ترهب العالم بآلياتها العقابية التي تعمد لتدمير اقتصاديات الدول التي لا تخضع لنزواتها التي تجلت كأوضح ما يكون في عهد  ترمب . حاليا هناك محاولات لإيجاد اقتصاد دولي مواز باسم دول البريكس التي تضم ( روسيا والصين وجنوب افريقيا والبرازيل والهند),  وتحاول تركيا وإيران الانضمام إليها . 
أما نحن فمشغولون بصفوف العيش والوقود والمواصلات... الخ ،
لم نتخلص من الهيمنة الأمريكية والأوربية, ولسنا في حال نتطلع معه لعضوية البريكس. فإلى متى سنظل على هذا الحال ؟ 
بينما غيرنا مثل تركيا وإيران  تتطلعان للانضمام للقوى الاقتصادية التي تسعى لخلق توازن دولي جديد!! 
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

434 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search