mlogo

كتاب الرأي

المقالات

في الترحيب بغندور وعمر الدقير : بشريات التعافي الوطني (1 - 2)

- خلال الأيام الماضية ووسط تطورات الأحداث -وكثير مما يرشح منها يدعو للإحباط بالنسبة للذين يستخدمون معايير خاطئة لقراءة التطورات الاجتماعية أو يخطئون استخدام قوانين صحيحة- وقع حدثان مهمان الأول هو ما رشح من عودة البروفيسور إبراهيم غندور لتولي قيادة كيانات المؤتمر الوطني الانتقالية، والثاني هو التصريحات التي أدلى بها الباشمهندس عمر الدقير رئيس المؤتمر السوداني بشأن المحاصصة بين مكونات قوى الحرية والتغيير في اقتسام مناصب ومواقع عضوية مجلس السيادة الموقت.
- وكان اسم البروفيسور غندور هو أول ما تداولته الأسافير لقيادة المؤتمر الوطني فور سقوط حكومة الرئيس عمر البشير في أبريل الماضي، ويبدو أن حملة بروز اسم غندور حينها كان يقف وراءها شباب الوطني الذين كانوا يقفون خلف مساعي (الإصلاح) داخل كيانهم منذ العام ٢٠١٢ والتي كانت نتيجتها حينها صعود غندور نفسه وبعض الوجوه المعتدلة حينها الى قيادة الوطني واحتدام الصراع الداخلي على النحو المعروف ما بين مؤيدي الإصلاح ومن ثم الحوار الوطني وما بين التيارات المتشددة المتصارعة على خلافة البشير ووراثة السلطة والحزب بدون إصلاح وربما كانت تتهم البشير نفسه بأنه كان يلعب على مشاعر الإصلاح وحبال الحوار الوطني، وبذلك أضاع هيبة السلطة ووقار الحزب. ورغم أن ميكانيزيم الدفاع الذاتي سرعان ما منح العقلية الأمنية الدفاعية داخل الوطني اليد العليا بعد سقوط السلطة ومكنها من الإطاحة مجدداً بغندور وإسناد قيادة الوطني المكلفة الى فريق لصيق بالترتيبات الفنية بقيادة السيد علي كرتي، وبدا لأول وهلة أن المؤتمر الوطني يستعد لدورة جديدة من جولات العمل الذي يجيده جيداً وهو حشد الموارد المادية والبشرية الضخمة لمنع خصومه من الاستفادة من صراعاته الداخلية التي تتطور الى حالة شلل كامل فتفقده السيطرة على السلطة موضوع الصراع نفسه، مما يضطر تياراته المتطرفة المتصارعة الى إرخاء قبضاتها عن حلاقيم بعضها البعض والاتحاد لاستعادة السيطرة على السلطة موضوع الصراع والخناق.
- اختيار غندور لتولي العمل التنظيمي الانتقالي للمؤتمر الوطني يعني أن قطاعاً أوسع داخل المؤتمر قد ضاق ذرعاً بصراعات التيارات المتطرفة، ورغم أن الظرف الذي يتولى فيه غندور مهامه الانتقالية ظرف حرج وبالغ التعقيد، ورغم ان التيارات المتطرفة داخل الوطني لن تستسلم وسيظل جزءاً مقدراً من الموارد المادية والبشرية بيدها ومستغرق تماماً في الإعداد وتلقيم البنادق استعداداً للمعركة الفاصلة مع قوى الحرية والتغيير الطرف الآخر في صراع التطرف هذا، إلا أن اختيار غندور من شأنه تحرير قطاع كبير من الموارد البشرية للوطني من دايرة الصراع هذه، وكما حدث في ردود الأفعال التي برزت في مواجهة السيد علي عثمان عقب تصريحاته التلفزيونية بشأن كتائب الظل والرافض الواسع من قطاعات الإسلاميين الذين يظن الناس أن علي عثمان عناهم بإشارته تلك، فإن القطاع الأوسع من الموارد البشرية للوطني سيعتزل تيارات التطرف ومعارك الإقصاء بينها وجماعة (قحت) مما يعني عملياً إن هذه المعارك سيدور رحاها بعيداً عن ميدان السيطرة الفعلي على مفاصل السلطة وتدريجياً وفي خاتمة المطاف سيخرج طرفيها تماماً من معادلة التنافس على خيرات التعافي والتراضي الوطني المطلوبة لأنهما استغرقاً واستنفداً طاقتيهما المادية والبشرية في الصراع بدلاً عن التنافس.
- على صعيد آخر فإن تصريحات المهندس عمر الدقير التي انتقد فيها ما وقع من محاصصة بين قوى الحرية والتغيير في اختيار أعضاء مجلس السيادة بعد إقصاء مكونات الجبهة الثورية بزعم أنها طلبت المحاصصة، ورغم الحملة الشعواء التي شنتها قوى اليسار على السيد الدقير وهي الحملة التي لم يتوانَ عن الخوض فيها حتى أمثال الدكتور علي عبد الله ابراهيم والتي حاولت تصوير تصريحات الدقير بأنها تصريحات (حردان) تجاوزه الاختيار لرئاسة الوزراء، إلا أن مجريات الأحداث لم تساعد حملة قوى اليسار على السيد الدقير الذي لم يكن وحيداً كما تصورت هذه القوى، ففي صفحتها على الفيسبوك كتبت الأخت الصحافية مزدلفة محمد عثمان وهي واحدة من أكثر الصحافيين/ات التزاماً بالمعايير المهنية تنتقد مظاهر زهد قادة الحرية والتغيير عن لقاء الصحافيين وتغيير أرقام تلفوناتهم (رفعهم القزاز) -كما عبرت- وسرعان ما نقلت زميلتها شمائل النور الصحافية الأكثر نشاطاً منشور مزدلفة على صفحتها، ثم لم تلبث صحيفة السوداني أن سددت لكمة شديدة لمصداقية قوى الحرية والتغيير بنشرها خبر تخصيص سيارات فارهة لأعضاء مجلس السيادة، وتكسرت محاولات ابتزاز الصحيفة أو ترهيبها فوق صلابة رئيس تحريرها الأخ ضياء الدين بلال ومبدئية مدير التحرير الأخ عطاف، غير أن الضربة القاضية أتت من الصحافية الأكثر مثابرة لينا يعقوب التي نشرت عموداً تحت عنوان (تحقيق عاجل) بشأن تزوير قوى الحرية والتغيير في الوثيقة الدستورية لتسمح لنفسها بتعيين رئيس القضاء بقرار من مجلس السيادة بعد أن كانت الوثيقة تنص تحت سلطات وصلاحيات مجلس السيادة في البند ١١ على (اعتماد تعيين رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء المحكمة الدستورية بعد ترشيحهم من قبل مجلس القضاء العالي). إذن.. فالكلية الانتخابية لتعيين رئيس القضاء وأعضاء المحكمتين العليا والدستورية هي مجلس القضاء العالي، ولكن لأن قوى الحرية والتغيير ينتظرها مشوار طويل لتحقيق تطلعاتها غير المشروعة في تسييس مجلس القضاء العالي (الكلية الانتخابية) فقد آثرت أن تعين رئيس القضاء وأعضاء المحكمتين عن طريق الجسم الوحيد الذي استطاعت (إنجاز) الاتفاق عليه خلال أكثر من أربعة أشهر منذ سقوط سلطة الرئيس البشير وهو المجلس السيادي، ولما واجهتها مشكلة صلاحيات المجلس لجأت الى حيلة إضافة جملة تسمح لها بتعديل الوثيقة الدستورية التي نصت على آلية تعديلها وهي ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الذين ستعينهم قوى الحرية والتغيير، ولكنها تدرك أن الاتفاق على أسماء مائتين من أعضاء المجلس التشريعي قد يستغرق كل الفترة الانتقالية التي اقترحتها قياساً على الزمن الذي احتاجته لاختيار ٥ أعضاء فقط لعضوية مجلس السيادة.

 

في الترحيب بغندور وعمر الدقير :
بشريات التعافي الوطني (2 - 2)

- ما يهمنا هنا هو أن الدقير لم يكن صوتاً نشاذاً بحيث يمكن اتهام انتقاده لعدم مبدئية قوى الحرية والتغيير بأنه ينطلق من موجدة شخصية.
- لكن الأهم من ذلك عند مقاربة هذين الحدثين هو الوعي بأن كلا غندور والدقير يمثلان كيانات تعبر عن طبقة وسطى مرتبطة ومتشابكة المصالح بالسلطة المركزية على هيئتها التي خلفها المستعمر، وبالتالي لا تعبر هذه الكيانات عن مشروع سياسي يختلف أصولياً مع مشاريع السلطات والطبقات الوسطى التي ورثت الحكم عن المستعمر وحافظت عليه كما هو شكلاً وموضوعاً. وحتى لا نتهم بالتجني، فالمؤتمر السوداني تعود جذوره الى الستينيات من القرن الماضي عندما استشعرت فئات من الطبقة الوسطى الحاجة الى كيان يقيها شرور الاستقطاب السياسي الشديد بين اليمين واليسار، واستمرت هذه الفئات خلال حقبة مايو في محاولة التميز عن الاتحاد الاشتراكي من جهة والذي كان عبارة عن ( dressing room ) لرئيس النظام حينها، وبين تنظيمات المعارضة السياسية لمايو التي ذهبت الى حد ومدى اختيار النضال المسلح ضد النظام، وغني عن القول أن رئيس النظام المايوي على الأقل لم يكن يمانع من أن تكون له غرفة ملابس احتياطية لذلك سمح لهذه الفئات بمساحة من الحرية والحركة تحت ناظريه وربما ساومه بعضها بأنهم أكثر قدرة من الاتحاد الاشتراكي على صناعة جناح طالبي لتنظيمهم لمواجهة التيار الإسلامي الذي كان قد بدا يتغلغل في الجامعات حينها، وبالفعل كان عدد من رموز مايو وكبار موظفيها ينشطون في رعاية نشاط مؤتمر الطلاب المستقلين ويحظى كوادره بحماية من إجراءات العسف التي كانت مايو تواجه بها نشاط التنظيمات السياسية الأخرى في الجامعات.
- أما المؤتمر الوطني فكما هو معلوم قاوم مشروع الحركة الإسلامية لإعادة تأسيس منصة الانطلاق الوطني على نحو يجرد السلطة من التأثير على مداولات المجتمع السوداني لإحداث تسويته الاجتماعية الأساسية التي تحفظ للمجتمع مناشطه ووظائفه وتكامل إرادته السيادية وتفوض بها ثلة قليلة من أبنائه وتترك له كل وظائف ونشاط ومساعي الوحدة في أمة سودانية على من سواها من الأمم تعاونا انسانيا أو تنافساً ندياً أو تحدياً حضارياً، ولكن العناصر التي انسلخت عن مشروع الحركة الإسلامية وأثرت البقاء في صف مساعي السلطة السياسية كانت موزعة المشاعر والمعتقدات بين ما نشأت عليه وأمنت به في مدارج التربية الحركية الإسلامية، وهي مدارج غير متناهية لا يكاد الإنسان يفرغ فيها من نصب أو ابتلاء حتى يأتيه النداء بالانتصاب استعداداً لابتداء جديد يجدد العزم ويرسخ الاستقامة ويقرب الإنسان من سلامة الأوبة الى منزله من الجنة نعيم ربه الذي يحوي خلقت فيه الروح البشرية الأولى وخلق منها زوجها فأخرجها انشغالها بالشيطان، وبين مزالق صراعات السلطة وتضارب مصالحها وتناقض مبادئها ووعورة مسالكها، مما جعل مهمة القيادة التي انسلخت بهم مستحيلة مهما انفقت من موارد أو اهدرت من الوقت أو بذلت من الوعود بان (من تمام مسيرة الحركة الا يخرج معكم فيها الذين إذا خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ) أو كما وعد الأستاذ علي عثمان عضوية مؤتمر الحركة الإسلامية في العام ٢٠٠٩، أو الوعيد بأن الذين يصيبهم الصداع من أعضاء الحركة الإسلامية ويرهقهم صراع المؤتمر الوطني سيصرف لهم البندول كما توعد الدكتور نافع علي نافع عضوية حزبه بين يدي انتخابات العام ٢٠١٠ !!
- إذا فهمنا ذلك فإن الترحيب بغندور والدقير ينبغي أن يتحرر من أوهام تحررهما بالكامل من منظومتيهما الاجتماعيتين وتطلعاتهما الخاصة بهاتين المنظومتين، ولكن ذلك لا ينبغي أن يجرده من حرارة الإشادة بالخلفيات التي أنتجت اعتدالهما فموضوعية واعتدال القادة السياسيين خاصة في فترات الاستقطاب، هي أقوى مقومات التوافق المفضي الى تسوية سياسية ولو مرحلياً وصولاً الى مساومة تاريخية معقولة يستقر عليها النظام السياسي.
======
حماد

Who's Online

878 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search