كتاب الرأي

صديق البادي

الصحافة الورقية

أوردت صحيفة (الأهرام) المصرية في عددها الصادر يوم الأربعاء الموافق 25 يوليو الجاري في الصفحة السابعة، خبراً بعنوان تسريح نصف العاملين في صحيفة أمريكية وهذا هو نص الخبر (واشنطن. د ب أ في ظل ارتفاع تكاليف طباعة الصحف أعلنت شركة (ترونك) الأمريكية اعتزامها الاستغناء عن نصف العاملين في صحيفة (نيويورك ديلي نيوز) بسبب التحديات المادية الكبيرة التي تواجهها.. وذكرت (ترونك) في مذكرة داخلية سربها عاملون في (نيويورك ديلي نيوز) أنها ستواصل تغطية الأخبار لكنها ستتطور مع تكيفها مع بيئتها الحالية، ويأتي القرار المفاجئ لشركة (ترونك) بعد الرسوم الباهظة التي قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها على ورق الصحف المطبوعة منذ أوائل العام الجاري التي تصل لـ 30% ومنذ بدء تطبيق هذه الرسوم اضطرت العديد من المطبوعات الإخبارية في الولايات المتحدة الى خفض النفقات وتسريح بعض عمالتها وتستهدف الرسوم بشكل خاص الورق غير المصقول الذي تستورده البلاد من كندا وهو المادة الخام الأساسية التي يتم طباعة أغلب الصحف عليها).
وإن الصحافة صناعة لها اقتصادياتها ومقوماتها الواجب توفرها ويقتضي قيام أية صحيفة إعداد دراسة متكاملة تسبق صدروها، تشمل كافة الجوانب التحريرية والإدارية والمالية، مع إيجاد مقر للصحيفة وتأسيسه بكل ما يلزم من مكاتب وأدوات طباعة وتصوير وتوفير وسائل الاتصالات وسبل النقل والمواصلات وتهيئة البيئة الصالحة للعمل وتوفير المكون المالي للصرف على الصحيفة في مراحلها الأولى وما يليها وشراء الورق ودفع قيمة الطباعة وتوفير مال التسيير اليومي ومرتبات الصحافيين المهنيين المتفرغين المرابطين في الصحيفة لساعات طويلة ومرتبات المراسلين والكتاب الصحافيين والموظفين والعمال. وتعتمد الصحيفة بعد ذلك على عائد مبيعاتها وقيمة الإعلانات التي تنشرها. ومن بين مقومات نجاح أية صحيفة هو التكامل والتناغم والانسجام فيها بين التحرير والإدارة والشؤون المالية. ومن حق أي ناشر أن يسعى لأن تكون صحيفته رابحة لا خاسرة، لأنه يقوم بعمل استثماري مشروع وهو الذي يتحمل مسؤولية تسديد حقوق ما بعد الخدمة لكافة الصحافيين والعاملين إذا فقدوا وظائفهم بسبب توقف الصحيفة عن الصدور وتسريح العاملين فيها.. ودرج المجلس القومي للصحافة والمطبوعات سنوياً على إعلان أرقام توزيع كافة الصحف وذكر الأرقام التي تخص كل صحيفة بالضبط بلا زيادة أو نقصان وتتصدر القائمة صحف الصدارة تليها صحف الوسط وتليها صحف المؤخرة وتؤكد الأرقام أن ما حصلت عليه ثلاث من صحف المؤخرة يقل في مجموعه عن خمسة آلاف نسخة وأن مجموع توزيع صحيفتين يقل عن خمسة آلاف نسخة أي توجد خمس صحف يقل مجموع توزيعها على العشرة آلاف نسخة في اليوم، ويحار القارئ لهذه النتائج في كيفية استمرارها وتسديدها للتكاليف الباهظة المشار إليها آنفاً!!... ويرى بعض المسؤولين أن معالجة هذا الوضع يكون بدمج هذه الصحف دمجاً كلياً بينها جميعاً أو جزئياً بين بعضها وهذا مجرد مقترح منهم وليس من حق أحد أن يفرضه عليهم دون رضاهم، إذ إن كل منهم له حق التصرف في ما يملكه طالما أن القوانين واللوائح تبيح له ذلك ولم تتغير. والدمج يكون بالتوافق والتراضي ويمكن للدولة أن تدمج ما تملكه من صحف كخطوة أولى في هذا المسار. وهناك صحف ناجحة كان يمتلكها أفراد أسسوها في منتصف أربعينيات القرن الماضي واستمرت في الصدور حتى تم تأميمها في عام 1970م مثل صحيفة (كردفان) لصاحب امتيازها ورئيس تحريرها الأستاذ الفاتح النور رائد الصحافة الإقليمية، وصحيفة (الرأي العام) لصاحب امتيازها الأستاذ إسماعيل العتباني الذي تولى رئاسة تحريرها لسنوات طويلة قبل أن يتفرغ لرعايتها والإشراف عليها، وصحيفة (السودان الجديد) لصاحب امتيازها ورئيس تحريرها أبو الصحف الأستاذ أحمد يوسف هاشم... الخ. ومن الشراكات الناجحة الشراكة الثلاثية التي قامت بين الأستاذ بشير محمد سعيد والأستاذ محجوب محمد صالح والأستاذ محجوب عثمان، ورغم التباين في الرؤى الفكرية والسياسية بين الأستاذ بشير والمحجوبين، إلا أن شراكتهم نجحت لأنهم كانوا مهنيين ناجحين وأصدروا صحيفة الأيام في عام 1953م واستمرت في الصدور حتى تم تأميمها في عام 1970م وكانت دار الأيام تصدر أيضاً مجلة الحياة الأسبوعية وصحيفة (مورننق نيوز) وعلى العكس من ذلك كانت هناك شراكة اطلق عليها الشراكة الذكية بعد دمج ثلاث صحف بكل إمكانياتها المالية وكوادرها الصحافية وكانت تملك مقومات النجاح كما بدأت في البداية ولكنها انتكست بسبب طريقة من عهد إليهم أمرها في التحرير والإدارة!!
وقبل خمسة وثلاثين عاماً كانت صحيفة (الصحافة) توزع أكثر من مائة ألف نسخة وكانت المنافسة محتدمة بينها وبين صحيفة (الأيام) التي كانت توزع أيضاً أكثر من مائة ألف نسخة وتحولت الصحيفتان منذ سبعينيات القرن الماضي من الصدور في الحجم الصغير (تابلويد) للصدور في حجمها الكبير وكانت فيها إدارات وأقسام متخصصة:-الأخبار الداخلية -الأخبار العالمية -الاقتصاد -التحقيقات -الولايات -المنوعات -الرياضة -الآداب والفنون مع تخصيص صفحات دينية يوم الجمعة وفي كل المناسبات الدينية... الخ. وبعد أكثر من ثلث قرن كثر عدد المتعلمين وزاد عدد القراء زيادة هائلة مع سهولة المواصلات والاتصالات وتبعاً لذلك كان يفترض ألا يقل عدد النسخ الموزعة من الصحف عن مليون نسخة في اليوم والشعب السوداني قارئ من الطراز الأول وكان ينتظر مجلة العربي ومجلة الدوحة والصحف والمجلات المصرية والبيروتية بالإضافة لبعض المجلات والصحف الصادرة بالإنجليزية بفارغ الصبر ويأمل الجميع في أن تساهم الدولة مساهمة فعالة بتخفيض رسوم مدخلات الطباعة والورق لتعود الصحافة الورقية في السودان لسابق عهدها وإن الميديا والإعلام الحديث وانتشار وسائطه وسهولة استعماله وكثرة الإقبال عليه لا تلغي أهمية الصحافة الورقية التي لا زالت راسخة ذات تأثير في كثير من الدول مثل مصر التي توزع فيها وفي خارجها صحيفة (الإهرام) القاهرية أكثر من مليون نسخة وتوزع صحيفة (الأخبار) وصحيفة (أخبار اليوم) الأسبوعية وصحيفة (الجمهورية) في مجملها كميات ضخمة من النسخ... وإن للصحافة السودانية صفحات مشرقة ولا يخلو الثوب الأبيض أحياناً من بقع سوداء. وإذا قارنا أداء المجلس الوطني في كل دوراته الممتدة منذ عام 1992م وحتى الآن وهو يمثل السلطة الثانية بأداء الصحافة السودانية التي تمثل السلطة الرابعة، فإن أداءها أفضل من أدائه وهي برلمان الشعب الحقيقي ولسانه الناطق باسمه والمعبر عن نبضه وتولت باسمه قضايا كثيرة وفتحت ملفات عديدة وإن الصحافة الحقيقية هي التي تكون في المقدمة تنير الطريق وتعبد الدرب.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

570 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search