كتاب الرأي

صديق البادي

الثلاثين من يونيو عام 1989م

انطوت صفحة النظام المايوي في السادس من أبريل عام 1985م وقام نظام انتقالي لمدة عام واحد حدث فيه تهريج كثير وملأت بعض الأحزاب والتنظيمات الصغيرة الأرض ضجيجاً وعجيجاً وصخباً وصراخاً، وسعت للجلوس على كرسي الأستاذية والوصاية على الشعب السوداني بلا وجه حق ودون تفويض منه. وعند إجراء الانتخابات العامة كان حصادها كحصاد الهشيم. وبعد انعقاد الجلسة الإجرائية للجمعية التأسيسية وانتخاب رئيس وأعضاء مجلس رأس الدولة وانتخاب رئيس الوزراء كان من المحتمل تشكيل حكومة تضم مكونات أحزاب الجبهة الوطنية الثلاثة ذات الثقل البرلماني الكبير وحصولها مجتمعة على مائتين وخمسة عشر عضواً بالبرلمان بالإضافة لأصوات من يتحالفون معهم من الجنوبيين ويحدث استقرار ليس فيه شد وجذب وتنصرف الحكومة للعمل التنفيذي الجاد في شتى المجالات وتمثل القوى الأخرى المعارضة، ولكن هذا لم يحدث وكونت حكومة ائتلافية قوامها الحزبين الكبيرين وبكل أسف فإنهما اختلفا منذ البداية وأصرَّ كلٌ منهما أن يكون حاكم الإقليم الأوسط ومعتمد العاصمة منه. وبعد شد وجذب، اتفقا أن يكون الحاكم والمعتمد من الإداريين المنتمين للحزبين وأن يكون حاكم الإقليم الأوسط من حزب الأمة ويكون نائبه من الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يكون معتمد العاصمة منه ونائبه من حزب الأمة. وطيلة الفترة التي امتدت من شهر أبريل عام 1986م حتى 30 يونيو عام 1989م كان الحزبان المؤتلفان المختلفان في حالة صراع وعراك واختلاف في وجهات النظر في كثير من القضايا والمواقف ولسان حال كل منهما يردد قول المتنبي ( ومن نكد الدنيا على الحران يرى عدواً له ما من صداقته بد) وفي مجال العلاقات والسياسة الخارجية كان كل منهما يوالي محوراً إقليمياً تسديداً لفواتير الانتخابات. وخلال ثلاثة أعوام تعاقب على مقعد وزير الخارجية خمسة وزراء بمتوسط سبعة أشهر وأسبوعين لكل واحد منهم وبعضهم كان يكثر الغياب عن مكتبه وعمله بالوزارة. أما الأستاذ محمد توفيق أحد الذين شغلوا منصب وزير الخارجية في ذلك العهد، فقد يئس وسخر من الوضع كله وكتب استقالته وأرسلها من القاهرة وصرح بأنه آثر الخروج والنجاة من هذه (الجوطة) -على حد تعبيره - ولذلك كان زعيما الحزبين المؤتلفين المختلفين يلتقيان بين الفينة والأخرى فيما يعرف بـ(غداء عمل السيدين) او ( عشاء عمل السيدين)، لا لمناقشة أمر يتعلق بالتنمية والخدمات والإنتاج واستخراج البترول او غيره ولكنهم كانا يجتمعان لحل المشاكل بين حزبيهما وتصفية الأجواء بينهما عندما تتعكر بسبب الخلافات التي كان بعضها يأخذ بخناق بعض . وكانت القوات المسلحة الباسلة في الجنوب تعاني من قلة العتاد والمؤن والمواد التموينية الضرورية وعندما التقى المهدي بقرنق رفض أن يستقبله بوصفه رئيساً للوزراء والتقى به بوصفه رئيساً لحزب الأمة مع وضع بعض الشروط، ووصلا لطريق مسدود، وقادت الجبهة الإسلامية القومية معارضة شرسة استعملت فيها كل الوسائل واشتدت الملاسنات وتبادل الشتائم بين الحكومة والمعارضة حتى تدنت أحياناً لدرجة الإسفاف. وكانت المعارضة تخلق في بعض الأحيان من الحبة قبة لإضعاف الحكومة وإسقاط هيبتها وعلى سبيل المثال إن الهيئة البرلمانية لحزب الأمة كانت تضم طبيباً بيطرياً واحداً هو دكتور أسماعيل أبكر الذي فاز في إحدى دوائر دارفور وقد تخرج من كلية البيطرة بجامعة الخرطوم في عام 1972م (وهو صديق وزميل دراسة لأحد أبناء منطقتنا ويكن له احتراماً وتقديراً) وعندما آلت وزارة الثروة الحيوانية في قسمة الوزارات لحزب الأمة، عُين فيها دكتور إسماعيل وزيراً. ويبدو عليه من خلال حوار تلفزيوني أجريَ معه أنه إنسان جم التهذيب والأدب. وبحسن نية نشر إعلاناً في ربع صفحة فقط بإحدى الصحف هنأ فيه باسم وزارته الشعب السوداني بمناسبة عيد الفطر المبارك وتضمن الإعلان نشر صورة السيد رئيس مجلس رأس الدولة وصورة السيد رئيس الوزراء وصورته فأقامت المعارضة الدنيا ولم تقعدها واعتبرت أن في هذا الإعلان تبديد لموارد الدولة المالية في شيء انصرافي. وقام شباب ودنوباوي بحملة كبيرة لنظافة حيهم وقاموا بجمع الأوساخ لحملها وحرقها في فضاء بعيد وقدم لهم أحد المسؤولين مبلغاً لا يسوى شيئاً يذكر يساعدهم في عملية النقل والحرق، وشنت المعارضة عليهم حملة شعواء واعتبروا أن هذا التبرع دعم لعمل حزبي من خزينة الدولة بدلاً عن شكرهم تشجيعاً للشباب في بقية الأحياء ليحذوا حذوهم. ولك أن تقارن بين دفع قيمة إعلان ربع صفحة والمساهمة المادية المحدودة لشباب جادين لنظافة حيهم. وبين ما أهدر بعد سنوات من أموال طائلة لا تحصى، يعتبر بالنسبة لها ذلك التبرع المحدود قطرة في بحر هادر الأمواج !! .
 وإن الأخطاء في عهود الديمقراطية تعالج بمزيد من الديمقراطية، ولكن ما كان يمارس من قبل الحكومة والمعارضة على حد سواء في عهد التعددية الحزبية الثالثة، لا يمكن وصفه بالديمقراطية ويمكن وصفه بالفوضوية. ولذلك كان المواطنون بحدسهم يدركون أن قرائن الأحوال تشير لأن انقلاباً عسكرياً سيقع لا محالة، ولذلك كانت بعض القوى السياسية تتسابق لإجراء هذا التغيير والإمساك بالجرس لقرعه قبل الآخرين.. وفي الليلة الختامية لثورة المصاحف في شهر رمضان المعظم، تحدث الشيخ حسن عبد الله دفع الله الترابي وكان ثائراً وألقى كلمات كالرصاص وسخر من الديمقراطية المطبقة ووصفها بأنها ديمقراطية السادة والعبيد، وأعلن أنهم سيأتون بالشورى التي تحل محلها وأعلن أنهم غير نادمين على خروجهم من الحكومة وأنهم اشتركوا فيها كمن يضطر مكرهاً لأكل لحم الخنزير، وأعلن إنهم سيعودون لمقاعد السلطة ويحكمون السودان قريباً . ومن المؤكد أنه لن يعود للسلطة عن طريق طرح صوت ثقة في البرلمان لأن هيئتهم البرلمانية تضم واحد وخمسين نائباً استقال منهم ثلاثة انضموا للحزب الاتحادي الديمقراطي وأن للحزبين الكبيرين مائة أربعة وستين نائباً يضاف إليهم الثلاثة المشار إليهم زائداً النواب الجنوبيين ويصبح وصول الجبهة الإسلامية القومية للحكم عن طريق الجمعية التأسيسية من المستحيلات كالغول والعنقاء والخل الوفي. وكان واضحاً أن دكتور الترابي وصحبه قرروا الوصول للسلطة بانقلاب عسكري.. وفي صبيحة الثلاثين من يونيو عام 1989م أذاع العميد عمر حسن أحمد البشير البيان الأول للانقلاب وفي نفس اليوم لحن وأدي الفنان كمال ترباس نشيد (ثورة الإنقاذ حبابا) . كلمات الأستاذ ذو النون بشرى.. وجاءت الإنقاذ في ظروف بالغة التعقيد. وحسب كثير من المعارضين وغيرهم إنها لن تكمل عامها الأول على أحسن الفروض، ولكن ها هي قد أكملت تسعة وعشرين عاماً بالتمام والكمال.. وصديقنا وعمنا الراحل الأستاذ الكبير محمود أبو العزايم في كتابه الممتع (سحارة الكاشف) الذي كتبه عن مدينة ود مدني اعتذر بأنه لا يستطيع صب كل ماء النيل في زجاجة بيبسي كولا وأنا هنا لا أستطيع اختزال مسيرة زاخرة امتدت لتسعة وعشرين عاماً في هذا الحيز الضيق وأكتفي بالانحناء لهذا الشعب العظيم الصابر الذي وجدته الإنقاذ عند مجيئها يعاني من شح المواد التموينية شبه المعدومة والآن توفرت ولكن بلغ سعر كيلو اللحم مائتي جنيه وسعر رطل اللبن عشرة جنيهات وأن مرتب من هو في الدرجة الأولى وعمل لأكثر من ثلاثين عاماً لا يزيد على شراء ربع كيلو لحم ورطل لبن واحد ورطل سكر ووقية شاي ووقية بن في اليوم.. والله سبحانه وتعالى كفيل بعباده وأن هذه البلاد محفوظة بسر إلهي وكل عام وأنتم بخير مع وعد بكتابة رسالة مفتوحة لفخامة السيد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير أخاطبه فيها عبر وسائط الاتصالات الحديثة (واتساب – فيس بوك – توتير) بكل احترام تقديراً لمقامه السامي وهو أمير البلاد المسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن البلاد وشؤون العباد .
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

597 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search