كتاب الرأي

صديق البادي

التعليم بين طلعت فريد وايلا

صرّح عميد الأدب العربي دكتور طه حسين عندما عُين وزيراً للمعارف في مصر بأن التعليم ينبغي ان يكون حقاً مشاعاً كالماء والهواء . وقد سعى اللواء محمد طلعت فريد لتطبيق هذه المقولة فعلاً لا قولاً عندما عُين وزيراً للمعارف في عام 1963 م خلفاً للوزير الذي سبقه الاستاذ زيادة ارباب المحامي وتم تغيير اسم الوزارة واصبحت تسمى وزارة التربية والتعليم . وكان تصديق قيام المدارس المجلسية ( الصغرى ) وتعيين معلميها يتم محلياً في المجالس الريفية ولكن كان فتح اي مدرسة أولية او وسطى او ثانوية في اي بقعة من بقاع السودان لا يتم الا بتصديق من رئاسة وزارة المعارف بالخرطوم وكان عدد المدارس لا سيما الثانوية والوسطى قليلاً وعلى سبيل المثال فان دارفور الكبرى طيلة فترة الحكم الاستعماري لم تفتتح فيها إلا مدرسة اهلية وسطى في الفاشر بعد جمع التبرعات من المواطنين في عام 1945م وكانت المدرسة الوحيدة وفي عام 1950م افتتحت المدرسة الوسطى الثانية في دارفور في مدينة زالنجي وهي مدرسة حكومية اما مدرسة الفاشر الثانوية فقد افتتحت في عهد الحكومة الوطنية الاولى . وفي كردفان الكبرى كان عدد المدارس الوسطى قليلاً وأُفتتحت مدرسة خور طقت الثانوية في عام 1950 م وهي مدرسة قومية تماثل مدرسة حنتوب ومدرسة وادي سيدنا وينسحب ما ذكرته على مديرية كسلا الكبرى التي قسمت لثلاث ولايات الآن . وبذات القدر كان عدد المدارس الوسطى والثانوية محدوداً في الولاية الشمالية الكبرى (حالياً قسمت لولايتين) وينسحب ايضاً على مديرية النيل الازرق الكبرى ( اربع ولايات الآن ) وفي عاصمة البلاد المثلثة قامت مدرسة الخرطوم الثانوية في عهد حكومة العهد الوطني على مشارف الاستقلال وقامت مدرسة المؤتمر الثانوية في اوائل الخمسينيات ومدرسة ام درمان الاهلية الثانوية ومدرسة التجارة الثانوية التي اُقيمت  لتخريج واعداد الكتبة والمحاسبين ومدة الدراسة فيها كانت عامين ومن ابرز خريجيها في ذلك الزمان الفنان المثقف عبد الكريم الكابلي ورفعت بعد ذلك واصبحت مدة الدراسة فيها اربعة اعوام . وكانت توجد مدارس اهلية متوسطة  وثانوية يؤمها تلاميذ من العاصمة ومديريات السودان المختلفة وتوجد مدارس البعثة التعليمية المصرية والمدرسة الانجيلية ومدارس الكمبوني .... الخ وتوجد مدارس  للبنات في كافة المراحل وكانت قليلة العدد وضمنها مؤسسات عريقة مثل كلية المعلمات بام درمان . وفي الجزيرة التي تضم المشروع العملاق ( الجريح الآن ) وبرغم وجود مال مرصود للخدمات الاجتماعية الا ان اربعينيات القرن الماضي وما قبلها وحتى اوائل الخمسينيات كان عدد المدارس الوسطى الحكومية والاهلية قليلاً وتوجد في ود مدني ورفاعة والكاملين وابوعشر ولذلك كتب الاديب الاريب الفقيه الذي كان عضواً قيادياً بهيئة المزارعين ومعلماً بمعهد فداسي العلمي الشيخ محمد عبد الله الوالي مقالاً في يوم 12/4/1953 م في صحيفة الجزيرة بعنوان مأساة التعليم الأوسط بالجزيرة اقتطف منه الآتي :- ( انها لمأساة حقاً تنهمر لها العيون حزناً وتنفطر لها القلوب اسى انها لمأساة انسانية كبرى ان يتقدم لامتحان الدخول للمدارس الوسطى بمدني الحكومية الواحدة والاهليات الثلاث ان يتقدم لهذه المدارس نحو الالف تلميذ ، بينما العدد الذي تستطيع استيعابه هذه المدارس بالاضافة للمدرسة الصناعية الوسطى لايتجاوز العشرين في المائة من هذا المجموع الضخم ويرجع الثمانون في المائة بعد يوم عصيب قضوه في فناء المدرسة الاهلية في مدني وقلوبهم واجفة وابصارهم شاخصة كل يأمل ان يكون في العشرين في المائة المحظوظين يرجعون بعد غروب شمس ذلك اليوم العصيب وقد انهارت آمالهم وآمال آبائهم وانهارت معها اعصابهم واعصاب آبائهم ، يرجعون يجرون اذيال الخيبة والندم وينطلق النقد من افواههم لا الى الحكومة التي تهيئ المدارس الوسطى فحسب بل الى كل الهيئات والجماعات والافراد الذين في امكانهم ان يعملوا شيئاً لتخفيف هذه الويلات عن هذه الانسانية المعذبة المنكوبة ) ... ووجد المقال اهتماماً كبيراً وسط الرأي العام السوداني ومن قبل المسؤولين في الحكومة وقيادات المزارعين والمستنيرين وعقب عليه عدد من الصحفيين مؤيدين ومساندين . وكونت لجنة لدراسة هذا الموضوع رفعت تقريرها لادارة الخدمات الاجتماعية بمشروع الجزيرة وبجانب شيخ الوالي لعب عدد من القياديين الاماجد دوراً كبيراً وتابعوا هذه الموضوع الحيوي بكل جدية ومن هؤلاء الافاضل الشيخ بابكر ود الازيرق رئيس هيئة المزارعين واثمرت جهودهم وتمخضت عن اقامة خمس مدارس وسطى في الحصاحيصا والمدينة عرب والحوش وكاب الجداد الواقعة بمجلس ريفي المعيلق .
    وفجر اللواء محمد طلعت فريد ثورة تعليمية حقيقية في 1963م وصدق باقامة عدد كبير من المدارس الاولية بمختلف انحاء القطر لا سيما في المناطق النائية التي لم تكن فيها مدارس واصدر قراراً باقامة نهر جديد في جل المدارس الوسطى وفي عهده أقيم عدد كبير من المدارس الثانوية في مباني مؤقتة وتم تشييدها بعد ذلك و ما تم لم يكن عملاً عشوائياً بل كان عملاً منظماً شارك فيه بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة عدد مقدر  من التربويين  اصحاب الخبرات و الاداريين الجادين وتم توفير الوسائل التربوية وكافة المعينات  وتم سد النقص في عدد المعلمين باستجلاب معلمين من الخارج وباستيعاب عدد كبير من الذين كانوا يعملون في المدارس الاهلية واستيعابهم في وزارة التربية والتعليم  منهم على سبيل المثال لا الحصر في المرحلة الثانوية شيخ الشعراء الاستاذ عبد الله الشيخ البشير والاستاذ محمد سعيد معروف وفي المدارس الوسطى على سبيل المثال أيضاً الاستاذ ياسين عمر الامام والاستاذ كامل محجوب الذي استوعب في وزارة التربية والتعليم وعُين ناظراً لمدرسة الضعين الاميرية الوسطى . وتمثل تلك ثورة تعليمية لا يتسع المجال لسرد كل تفاصيلها .....وعلى ذكر التربية والتعليم فان وزيرها الهمام في حكومة اكتوبر الثانية الاستاذ بدوي مصطفى تولى الوزارة لاشهر معدودة أصدر فيها قراره العظيم  بترفيع معهد ام درمان العلمي العالي  لجامعة ام درمان الاسلامية وعين العالم الجليل كامل الباقر مديراً لها وهذا انجاز كبير يحفظه له التاريخ ........ ويحفظ التاريخ للواء محمد طلعت فريد تفجيره لثورة حقيقية وسع بها قاعدة التعليم ....وان والي الجزيرة الاستاذ محمد طاهر ايلا اصدر قراراً بتجفيف عدد كبير من المدارس الثانوية في وقت ليست فيه داخليات ليقيم فيها التلاميذ القادمون من أماكن بعيدة وكل التلاميذ خارجيين والموضوع يتطلب ان يدار حوله حوار مسؤول تطرح فيه المعلومات وتقدم الأرقام ويشارك فيه المعلمون وأولياء أمور التلاميذ وكل المهتمين بالعملية التعليمية والتربوية ودراسة كل حالة على حدة للوصول لحلول لا يضار منها أي طرف من الأطراف وهو موضوع لا يحتمل الفردانية ولا العشوائية  ولا ردود الفعل الانفعالية ويقتضي أن توليه الدولة في اعلى مستوياتها السيادية والتنفيذية والتشريعية على المستوى الاتحادي والولائي اهتمامها البالغ  .... رحم الله من انتقلوا للدار الآخرة ممن وردت أسماؤهم اعلاه وأدخلهم فسيح جناته وأطال الله اعمار الأحياء ومتعهم بالصحة والعافية .

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

554 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search