mlogo

كتاب الرأي

صبري محمد علي العيكورة

وطن تذبحه الكاميرات!!

مقال الخميس الماضي بعنوان (أسبوع بالخرطوم والأرض تكذب الميديا) أثار بعضاً من ردود الافعال الغاضبة التي اختلفت معه، وقد وصل بعضها الى محاولة الاساءة الشخصية بعيداً عن مضمون المقال. ولعل هذا ليس بدعاً من نهجنا في الخلاف الفكري، فسريعاً ما نلجأ الى تصنيف الطرف الآخر وإغلاق باب النقاش، هذا إن لم تصل الى حد القطيعة الكاملة! فالمقال الصحفي يظل وجهة نظر الكاتب وحده وليس بالضرورة أن يعبر عن رأي الصحيفة الناشرة، وعادة ما يتم ايضاح ذلك عبر صفحات الرأي. اذن ما المانع ان نختلف في الرأي عزيزي القارئ؟ فرأيك صواب يحتمل الخطأ، وكذلك رأي قد يكون خطأ يحتمل الصواب.   فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، ويظل حديثنا عما يدور في الساحة السياسية هو همنا الاول هذه الايام، ويظل امن الوطن والمحافظة عليه هو ما سننبه اليه دوماً. نعم من حق الناس التظاهر السلمي والخروج مطالبة بحياة افضل وكريمة، ولا خلاف حول هذا الحق المشروع ولكن لماذا القتل؟ ومن القاتل خلال تلك المظاهرات؟ ولم يتم استهداف الأبرياء؟ تظل هذه الاسئلة مثار شبهة ومستصغر شرارة يجب إخمادها. وحدثني من اثق فيه من أبناء القرية أنه كان في (بري) يوم اندلاع الاحداث الاخيرة، يقول فإذا بثلاثة أشخاص ملثمين بالكامل يحرقون ثلاثة اطارات سيارة ثم يهتفون تسقط، فتجمع بعض الناس يهتفون معهم.. يقسم بالله أنه شاهد الثلاثة ينسحبون مستغلين سيارة كانت تنتظرهم، إذن هناك عمل مخطط له وعلى الحكومة سرعة الكشف عن هذه التجاوزات، فدم المؤمن اشد حرمة عند الله من زوال الكعبة. ومازلت من المحذرين وبشدة من أن هنالك شيئاً ما يحاك ضد هذا الوطن خلف الاحتجاجات و(صفوف الخبز)، فما أكثر المتربصين، وإلا فكيف لقاتل ان (يجهز) آله التصوير ويوصف الحدث لحظة إطلاق النار إن لم يكن الأمر معداً له سلفاً، حتى يثير حالة من الارباك وتوسيع دائرة الاتهام لخلق حالة من الشك والتذمر، ولعل سرعة الكشف عن الجناة وتقديمهم لمحاكمات عادلة وعاجلة هو ما سيقلل قطر تلك الدائرة (الخبيثة)، وهو بالطبع عمل استخباراتي وامني وعدلي كبير ينتظر الحكومة. ففي مثل هذه الجنايات المؤسفة كل قرينة لها دلالات المكان والزمان والتصوير والتعليق ونوع السلاح ونوع الكاميرا وتكرار الاشخاص وتحليل الصوت الذي بدأ يتكرر خلف كل مقطع ونوع الإصابة، فكل هذه القرائن وغيرها تعني الكثير لجهات التحري والبحث ويعرفها المختصون جيداً. وهذا السيناريو قد تكرر في جميع حالات الاغتيالات المؤسفة التي حدثت أثناء التظاهرات، وبذات الآلية توثيق بالصوت والصورة  لحظة إطلاق الرصاص!! بل هناك من نشرت صورهم ضمن عداد الموتى وهم احياء يرزقون، وصورة لطفل من البرازيل نسب الى السودان كضحية (لبطش السلطة) كما روج لها، وشهادة لاحد المتظاهرين ببري تؤكد أن هنالك من يسعي (لعرك) الدم في أنوف المتظاهرين لكي يثيرهم (كثيران) المصارعة (هكذا وصفها). اذن عزيزي القارئ هناك أمر ما يدبر ضد الوطن يستغل الابرياء ليكونوا (حمام دم) كما سموها، والذين يحاولون الحشد عبر الوسائط لا هم  ولا ابناءهم يغبرون أقدامهم ساعة (في سبيل الله) بالميدان، وان وجدوا فهم الأخف سيقاناً مع أول طلقة (بومبان). فالصورة ومقطع الفيديو عندهم أهم من النفس البريئة، ولو ذهب الوطن الى الجحيم فلا يهمهم ذلك، فقط ان يصوروا ويزوروا وينشروا. لا فرق عندهم بين الوطن والحكومة، والغاية عندهم تبرر الوسيلة، فهم يجيدون سرقة عرق وحناجر الآخرين، ويتمترسون خلف الطلاب، فهم الذين غنوا (أنت يا مايو الخلاص ... يا جداراً من رصاص) قبل أن ينقلب عليهم النميري، بارعون في شعارات الرقص والحماس، ويذرفون دموع التماسيح على الوطن، ويجيدون (الردحي) وقيادة السذج من بعض منسوبي الاحزاب التقليدية. وفي الاسبوع الماضي تحادثت مع احد قادة تلك الاحزاب في مناسبة اجتماعية باحدي الولايات، وهم في رحم المظاهرات في تلك الولاية، بينما قادتهم بالخرطوم يرفلون في ديباج الحكومة  ومواعينها، فسألته كيف يستقيم ذلك عقلاً؟ فأجابني بأنهم مازالوا ساعين في إقناع كبرائهم بالانسلاخ عن الحكومة. يعني (كراع برة وكراع جوة)، إذن هنالك حالة سائدة من التخبط في قيادة الاحتجاجات، ومازال ما يعرف بـ (تجمع المهنيين) سطوراً على الورق فقط، ولم يُعلن عن جسم محسوس يُرى بالعين المجردة كما حدث في انتفاضة ابريل ٨٦م التي كان فيها اسم د. الجزولي دفع الله حاضراً على كل لسان، فأين قيادة تجمع المهنيين المزعومة؟ لا أحد يعلم! اذن السودان امام مفترق طرق، وقد يذهب بأمنه ووحدته المتفائلون بأن شيئاً من هذا لن يحدث، ولا يرون ثمة علاقة بين ما حدث في اليمن وسوريا والعراق، ويعولون على تكاتف الشعب السوداني ووعيه، وعليهم أن يدركوا أن تلك الدول راهنت على ذات المسلمات والمبادئ قبيل ذهاب امنها واستقرارها. وعليهم ان يدركوا ان اختلاف الجغرافيا له دور وأثر. وأن لغة السلاح اذا سادت تراجع معها العقل والمنطق وسادت لغة الغاب. وعليهم أن يدركوا أن الصبر على
الجوع أهون من ذهاب الأمن والوطن. نعم نتفق على فشل سياسات الدولة، ولكن يجب ألا نختلف على الوطن، فلا تذبحوا وطنكم (بالمونتاج) والدبلجة والكلمة الكذوب في فورة ونشوة غامرة، قبل أن تبكوا وطناً لم تحافظوا عليه. فطالب بوعي وتظاهر بوطنية ولا تبيع وطنك للأعداء، واحذر (الشيوعيين). وقوموا إلى صلاتكم ووطنكم يرحمكم الله
ودمتم بعافية.

Who's Online

827 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search