mlogo

كتاب الرأي

صبري محمد علي العيكورة

مملكة البحرين.. يوْمٌ من الذاكرة (2/2)

الساعة العاشرة صباح الخميس، كان عليّ أن أقدم عرضاً عن (دِهانات الطُرُق) بمبني وكالة الطُرُق بوزارة الأشغال. لم يكُن الموقع بعيداً عن الفندق، تناولنا الإفطار بالطابق السادس بالمطعم، ثُمْ بدأتُ مُراجعة المادة عبر جهاز الحاسوب . جلس نائب المُدير العام خلف مِقود السيارة وبجواره (صديقنا المالكي) وجلستُ أنا والمهندس هيثم والأستاذ طارق بالمقعد الخلفي وكٌلٌ مِنّا في كامل الهِندام والأناقة، لا أظنُها استغرقت نصف ساعة ونحنُ داخل قاعة العرض (نُفردُ) الأسلاك ونوقظ الحاسوب لنزاوجه مع الشاشة، أطلّت علينا مُديرة مكتب الوكيل المُساعد للطرق تُرحبُ بنا بحرارة الآنسة فاطمة ملك أبو الفُتوح جمالٌ لا تُخطئه العين وأدبٌ وحياء. بدأ مُهندسو الوكالة يتوافدون داخل القاعة، رحبوا بنا بحرارة قبل أن يأخذوا مقاعِدهُم، كان لحرف (الراء) تفخيمٌ ومد عند أهل البحرين، ظللنا نتبادلُ عبارات الترحيب قبل أن يسُود صمتٌ مُفاجئ بدخُول السيّدة هُدي عبد الله فخرو الوكيل المُساعد للطرق بوزارة الأشغال بالبحرين، كُنا قد التقيناها بالسعودية في زيارة عمل مُماثلة لمشاريع الشركة حيّتنا مُصافحةً لنا بأسمائنا فرداً فرداً، العرضُ لم يتجاوز الساعة قبل أن تستضيفنا في مكتبها لنُشاهد تاريخٌ حافل بالمنجزات وثقته صورٌ تزاحمت علي الجُدران وكان لجلالة ملك البحرين منها نصيبٌ ومصافحة للسيّدة (هُدي).   كانت (الحافلة) تنتظرنا أمام البوابة الرئيسة الثانية عشر مُنتصف النهار لتُقلنا لبرنامج ترفيهي أُعِدّ على شرف الزيارة بأحد مُنتجعات البحرين قيل لنا أن الموقع على بُعد (54) كيلومتراً جنوب العاصمة (المنامة) وعلينا أن نستبق الزحام، رافقنا كُلّ المُهندسين البحرينيين الذين شرفونا بحُضُور العرض وأثروا النقاش بمِهنية عالية . السادة كاظم علي ومحمد علي هيّات وعلي عبد الله مطر ومحمد عبد الحسين ناصر ومحمد جعفر الساري والآنسة المهندسة المتدربة سارة باكو بالإضافة للسيدة (هُدي) ومديرة مكتبها.
انطلق بنا سائق الحافلة يتلمّس الطريق بصُعُوبه بين خُطى الزحمة ونهاية الأسبوع، بدأنا التعارف وتبادل عبارات الترحاب، تتمايل أكتافنا مع السُرعة المُتغيرة . كُنا نسترسلُ النظر عبر النوافذ نتبادل فناجيل القهوة البحرينية مع التمر الغارق في الطحينة السائلة، تُزينهُ حُبيبات (الكورنفليكس) . بينما انهمكت السيّدة (هُدي) في إنهاء بعض المُعاملات الورقية مع مُديرة مكتبها، عملٌ وتفانٍ لا يعرفانِ حدوداً للزمان والمكان . وكم ذُهلتُ عندما علمتُ أن المرأة الحديدية (هكذا يصفونها) هي المسؤول الأول عن كُل طُرق مملكة البحرين! نعم (أم خالد) تجمعُ بين الحزّم والعلم والرقة والجمال، وتقودُ الرجال والآليات الثقيلة بعقلها وعلمها فتبادر الى ذهني سؤال!   لِمَ حصرنا عطاء المرأة في عالمنا العربي في التعليم والطب والأعمال المكتبية، بينما حُورية البحرين تفوقت حيثُ تراجع الرجال؟  ! لعله الطموح والعزيمة بلا شك .
 ساعة تنقُصُ قليلاً كُنّا عند مدخل مُنتجع (دُرة البحرين) قيل لنا أنه آخر بُقعة بها حياة وسُكّان بالمملكة، حقيقة لا أدري هل رُدم ماءُ الخليجُ أم أنْ الخليجُ مدّ ذراعية ليحتضن تلك (الفِللْ) الرائعة فكُنّا بين اليابسة والماء نتنقلُ ونُناظرُ السماء والسُحُبِ على مِرآة الخليج الصافية . سبقنا الى هناك المهندس الأردني مجدي محفوظ وكاظم لبعض الترتيبات كما يبدو المُهندس محمُود عبد الرحمن زوج السيدة (هُدي) ويشغل المُدير التنفيذي للشركة المُنفذة والمُستثمرة للمنتجع . استقبلنا بكل ترحاب واصطحبنا في جولة تعريفية عبر الماء والجسور والسراديب والأقواس يُسوقُ للمِعمار والسياحة والاستثمار، لم تنقطع أطباق المُعجنات والفطائر والمُكسرات  فناجين الشاي والقهوة والجميع جلوساً على كراسي البلاستيك البيضاء في هواءِ يميلُ الى البرودة قليلاً ومياهُ الخليج تفصلنا عنها أمتار معدودة من الرمل الأبيض، نزلنا بُعيد المغرب ناحية الماء كان برفقتي المُهندس أحمد الغربال فسألني إن كنتُ من هُواة رياضة المشي فأجبت بنعم. وظللنا نمشي، لا أعرف الاتجاه تحديداً، حتى (تهدْج) صوتنا من غوص الأرجل في الرمال وبلغ بنا الجهد مبلغاً، فعُدنا أدراجنا نتجاذب الحديث عن هندسة المواد والبحرين وأسهبتُ في الحديثُ عن السودان أعرّفُ به صديقي .  كان (المالكي) يبدو أنيقاً وهو يرتدي الزي الرياضي بعد أن تحرر من الثوب والشماغ، أدار جلسة تبادلنا خلالها الطُرفة والقصيدة و (الفزّوُرة) التي برع فيها أحمد الغُربال، المُهندس محمد جعفر يعترف في براءة  بـ (هرش) زوجته له ويتبعها بقوله (الحمدُ لله أمورنا طيبي) وهو يُداعبُ مسبحة قصيرة بيده اليُمني.  محمد عبد الحسين رجلُ مربوع القامة به طُرفة وضحكة تهتز من خلف نظارة سميكة أسعد الجمع بقفشاته، محمد علي هيّات رجلٌ يُحسنُ المفردات والقولِ به شيء من لهجة (الشوام.) أما علي عبد الله مطر، فلم يساوروني شك أنه مصري الهيئة بلسان بحريني فصيح، تفتقت موهبة الرجل الباسم فارع القامة. المُهندس كاظم عن هواية الطبخ بإعداد (صينية سمك) أرسلها لمتابعية عبر (الميديا) قبل أن تأخُذ مكانها ضمن مائدة العشاء الدسم وما شرّفتنا به السيّدة هُدي من هدايا تذكارية بطعم الخليج وحلوي (الشويطر) الأشهرُ في البحرين، قبل أن تُودعُنا حتى باب الحافلة بكل بشاشة كما استقبلتنا، عائدين الى (المنامة) العاشرة مساءً تاركةً في نفوسنا امتناناً وعرفاناً لهذا الجمع الرائع مُعجبين بعلاقتها بمرؤسيها داخل وخارج مبنى الوزارة .   و أخيراً .. حاول القلم الإحاطة بكُلِ تلك اللحظات الجميلة، ولكن الأمرُ كان أسمى من الحروف وأوسع من أن يستوعبه تعبير. فقفز فوق الأحداث وتجاوز كثيراً من الجمال والكرم والعلم والكفاءة البحرينية.  لو لا ضيقُ المساحة لكتبنا الكثير. ودُمْتُم بعافيــــة ..

Who's Online

806 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search