mlogo

كتاب الرأي

صبري محمد علي العيكورة

رمضان زمان عبق و ذكرى

صِدق المِداد مراحل حياة الإنسان تكون بلا شك لصيقة بالمكان والزمان فتظل عالقة بالذاكرة مراحل الطفولة الباكرة والصبا والشباب و النضج وحتى الكهولة ويظل الحنين الدامع لتلك الأيام اجتراراً نردده (حليل أيام زمان) وقصص نلقيها تمثيلاً نحكيها للأجيال اللاحقة عن تلك الحقبة النقية من حياتنا وبساطتها وصحتها التى لم تشغلها فواتير الضروريات ولم تفسدها شبكة العنكبوت التى (شربكت) كل مناحى حياتنا وشوارعنا التى كانت تربى النشء دون تكلف من آباءٍ وأجدادٍ لم ينالوا سوى نذر يسير من سور القرآن الكريم وسماحة أخلاقٍ متوارثة لم يعرفوا المدارس وقاعات الدرس بل عرفوا الحياة بمعناها الواسع . ولم تكن أيام و ليالى هذا الشهر الفضيل بدعاً من تلك الذكريات الحبيبة الى النفس وكل فى بيئته ومنشئه له منها نصيب فأغمض عينيك عزيزى القارئ واسترجع تلك الذكريات متى صمت أول مرة؟ ومن شجعك ؟ وهل شربت الماء خلسةً وأنت صغير بعد أن انتصف نهار يوم غائظ الحر تذكر ستجد الكثير انفض عنه الغبار (ادعك) جبهتك قليلاً لترى رمضان مشبعاً بعبق المكان يُعانقُ زمان نضر نقى .تذكر ستجد قريتك أو حيكم أو حواكيركم ستجد صينية أمك ومواعينها قلّبها برفق ستتذكر كلمات وتوجيه وتوبيخ ستشم رائحة الحلو مر و رائحة البصل المحمر بالزيت ستجد الكثير والكثير. و ما كان لنجيب محفوظ أن يأسرنا (بثلاثيته) الرائعة ( السكرية و قصر الشوق و بين القصرين) لو لم يستصحب معه وصف المكان حتى وكأنك تستمع وتتجول مع السيد أحمد عبد الجواد ولا كان بمقدور الطيب صالح ان تنال كتاباته الروائية كل هذا البريق والتميز لو لم يصطحبنا معه عبر أزقة (دومة ود حامد) و(عرس الزين) وصحبة مصطفى السعيد وغير ذلك . ما كان له ذلك لو لم يسمعنا خرير مياه النيل ويُلقمنا معه رطب النخيل ويجعلنا (نشهق من لفحة عاصفة رملية على أطراف (كرمكول) وتجولنا معه بين ثنايا السطور ما كان له أن يأسر ملايين القراء لو لم يستصحب معه المكان والجغرافيا والمواعين فى سرد رائع تربع على ذُرى الإبداع الروائي . ويقينى أنه لا يمكن أن تنفصل متلازمات هذا الشهر الفضيل لدينا بالسودان عن ذلك . (فالحلومر) و (الآبرى) والعصيدة والتقلية والبليلة وأزقة القرية وصوت الاذان وخرير مياه الجروف وغثاء الابقار وقت الأصيل و رحلة المدرسة اليومية وقيلولة الظهر وصلاة العصر ونفض الغبار عن المصاحف القديمة بالمسجد وإعادة تقديمها للمصلين و مواعين الأطعمة المتقاطعة بين منازل الجيران أعلى حيطان (الطين) المُتقاصرة تواضعاً و بساطة و حركة التبضع البسيطة من المستلزمات كالثلج كان يؤتى به محفوظاً فى نشارة الخشب داخل جوالات من الخيش حتى يظل صامداً حتى وقت الافطار وليمون ونعناع وخبز هي مُنتهى ما يملكون . و (سباتات) هى سجادات ذلك الزمان تجهز قبيل رمضان من السعف هى مرقد الناس ومتكأهم بعد الافطار يتآنسون الحديث مع فناجيل القهوة لا يفسدها سوى نهيق الحمير من زرائب الشوك المتجاورة . صوانى الافطار كانت كلها (كوريات) تحرس صحناً واحداً من العصيدة يجاوره آخر أصغر منه حجماً به (بليلة) من العدسي و أوانى أخرى بها (مُلاح) من الروب أو التقلية أو من الملوخية و المُلاح هو ما نُطلقه بالسودان على (الإيدام) وكورتان هما لليمون و (الآبرى) و قل أن تجد مشروباً آخر ينافسهما والغريب أن كل الأوانى تكون متشابهة تأتينا من الصين منقوش عليها هلال يحتضن نُجيمات كبشرى و فأل بهذا الشهر الكريم لا تكاد تستبين اختلافها إلا بالالوان . و( للملاح) الذي يرتقي صحون العصيدة أو يتمدد على أقراصِ من القمح شأنُ عظيم هو سيد المائدة و كما وصفه البروفيسور الراحل عبد الله الطيب فى كتابه (حقيبة الذكريات) أن المُلاح هو(إيدامٌ يصنعه أهل السودان أعلاه اللحم وأدناه الماء وبينهما ضروب من الخضر). فتظل عالقة بالذهن كل هذه المكونات البسيطة بتجمع الناس كل يحمل صينية إفطاره يسرع بها الخطى نحو سهلة الإفطار و انتظار الأذان و التحلق حول المذياع يهتدى به مؤذن الجامع وهو يُناظر غروب الشمس مع مرواح الأبقار والأغنام . وصلاة التراويح لم تكن طويلة فكانوا يأخذون من السُنة المطهرة ما سهل عليهم يستفتون فى كل أمور حياتهم شيوخهم من منارات الصوفية فيُقدر الشيخُ و تُحترم الفتوى بكل احترام وتبجيل .
بسيطة هى الحياة لا تشغلهم مباهجها لا يضيرهم إن أضاءوا منازلهم بالكهرباء أو بالسراج أو بفانوس الجاز لا يهم إن سكنوا غُرفاً من الجالوص أو راكوبة تُصارع الرياح لا يهُم أن يأكلوها (ويكة) أو بالماء والملح لا يهم أن يتعالجوا لدى الطبيب أو ببخرات الشيوخ فكل ما يهم هو الستر والعافية والرضا واليقين بالقليل و يشغلهم تعليم الأبناء فمن لم يدرس بحنتوب وجامعة الخرطوم فقد فاته خير عظيم فذلك إنسان آخر كان بالسودان قبل أن يسود (فيرشن) اليوم (الناعم) . فالنوم المبكر هو السمة الغالبة فلا مُلهيات سوى الذكر والصلاة و قل أن تجد دكان مشرعة أبوابه بعد صلاة التراويح فالاستعداد لصباح جديد كله نشاط وعمل هو ما يفكرون فيه . و للسحور شأن آخر فى حياتهم لا يهملونه سنةً واقتداءً هو كرنفال قبيل صلاة الفجر يرتاح فيه الفطير على صحون من لبن البقر الطازج و الارز و (ترامس) الشاى وقد يعود الحلو مر و الآبرى مرة أخرى مع السحور . ذلك زمنٌ و تلك أمة قد كانت بالسودان فليت الزمان يعود يوماً ليرى ما فعل (الإنترنت) . و دمتــم بعافيـــــــة ..

Who's Online

550 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search