صبري محمد علي العيكورة

حلاق في شارع (جبرة)..بدرجة وزير

معليش يا أستاذ فهذا الشاب قد (حجز) أمامك هكذا بادرني صاحب صالون الحلاقة و أنا أهمُ بالجلوس على الكُرسي فأفهمته أن الشاب الذي تعني هو ابني و قد سبقني لداخل الصالون للحجز ثُم أجلسني مُعتذراً وهو يعدل من ربط الفوطة حول خاصرته
   لم أكن أصدق أذناي أن الشاب العشريني الذي سلّمته رأسي و مُنهمكٌ يعمل المقص و الماكينة على شعري هُو مُجرد حلاق ! عندما أدار معي حواراً عن أوضاع البلد والمظاهرات والرؤية الوطنية التي سيطرت على نبرات صوته وخوفه من ذهاب أمن الوطن وأشار لي بأسى أن المواطن المسكين هو من يتأذى من التخريب و حرق إطارات السيارات وسط الأحياء كُنتُ بعض الأحيان أشاركه الرأي عندما يسمحُ وضع الحلاقة وتارة أهز رأسي موافقاً عندما يستعصي الكلام .حقيقة لم أتجرأ أن أسأله عن مستواه التعليمي ولكنني أيقنت من اختيار الألفاظ و ترابط المعلومة و نظافة الهندام أنه نال حظاً مُقدراً من التعليم و أنه امتهن الحلاقة لسببٍ ما و ليس في ذلك ما يعيبه . كان هذا قد حدث معي الخميس الماضي بالخرطوم بأحد صوالين الحلاقة الحديثه بشارع جبرة قُبيل تقاطعه مع شارع الكلاكلة شرق ، لم يترك لي الشاب فرصة أن أحدثه عن اليمن و الشام وليبيا فقد أفاض و أسهب في أسي ينعي حال تلك البلدان ، كانت تزداد دهشتي كلما أوغل في الحديث المُرتب الواعي بُعيد انتهائه من عمله المُتقن كحديثه التفت لأجد على المرآة لوحة كتبت عليها الأسعار حسب أنواع الحلاقة مُفصلة ، فدسستُ في يده القيمة وبها زيادة ثم لحقت بابني (عمار) الذي كان ينتظرني خلف مقود السيارة فلحق بي ذلك الشاب مردداً (يا خال يا خال) يستوقفني قائلاً هذا المبلغ به زيادة عن السعر فقلت له أعلم ذلك يا ابني فهو لك فشكرني في أدبٍ جمّ . ثم قال لي و هو يشير الى شارع جبرة هل ترى تلك الإطارات القديمة فنظرتُ حيثُ أشار و قلتُ نعم فقال هذه لم تكُن موجودة بالأمسِ ألقت بها سيارة مُسرعة صباح هذا اليوم ثم انصرفت و أردف قائلاً ما ذنب كبار السن ومرضى الربو و الأطفال إذا أحُرقت هذه الإطارات كتعبير عن الاحتجاج ، فأدركتُ أنني أمام شاب غير عادي ينضحُ بالوطنية الحقّة و لم أخفِ إعجابي بحديثه و غيرته على وطنه ثم ودعني عائداً لصالونه ، أخذني الفضول للتوقف بجوار تلك الإطارات فعددتها  فإذا هي ستة عشر من الحجم الصغير ! أعدت لتُحرق في لحظة ما لإثارة الهلع في النفوس (لربما) لا أعلم !
      لا أدري حقيقة أن بعضاً من شبابنا هل يُدركُون حجم المخاطر التي تحدق بالوطن أم أن الحماس قد أخذهم و لم يعُد يختزن العقل الباطن سوى (تسقط بس) و (تقعد بس) و بينهما يتمدد مُستقبل الوطن و لا أظن الحكومة ستفرط في وحدة الوطن رغم اعترافها بالضائقة المعيشية التي بدأت تتلاشى نوعاً ما في صفوف الخبز والبنزين في حين مازال (الجازولين) و شُحّ السيولة يمسكان بتلابيب الناس و (برأيي) أن الذين يُراهنون على سقوط الإنقاذ بالمظاهرات و الهتافات قد يطول انتظارهم فهؤلاء (الإنقاذيون)  هُم من الدهاء و الذكاء و حُسن قراءة ما بين السطور و ما خلفها و تحليلها بعمق ما يجعلهم يحسبون الخُطى بدقة مُتناهية و ما صمودهم أمام الحصار و الحظر و الحرب إلا نتاج لذلك ، و أعتقد جازماً بمشروعية الحق المكفول في التظاهر السلمي الذي لا يُكسر عظماً و لا يُهشمُ زجاجاً و لا يقطعُ طريقاً ، فالأمر أمر وطن و لا مجال للعواطف مهما كلّف الثمن و بلغت المُعاناة مُنتهاها ، البلدان التي ضاع أمنها بجوارنا لا يستطيع أن ينكرها أحد ، الأسبوع الماضي كُنتُ في أحد متاجر الملبوسات بمدينة الباحة أبتاع قبيل عودتي للسودان في عودة طارئة و بينما أنا وقوفٌ أمام (الكاشير) إذا بصوت صديقنا السعودي سعيد بن شويردي الغامدي يناديني بصوته الجهور الذي لا (يغباني) يا مُهندس صبري كيف حال رئيسكم ؟ (سمعها كلِ من كان بجوارنا) فقلت له و بذات علو الصوت أن البشير بخير و السودان بخير فلم يتفوه أحد سوى يمني كان خلفي قائلاً (لا تغلطون يازول) فكلنا قلنا فليذهب الطاغية علي عبد الله صالح أولاً ! و بعد أن ذهب لم نجد علي صالح و لم نجد اليمن قالها بلهجة يمنية جليّة خفيفة القاف المُقلقلة ، إذاً عزيزي القارئ هذا كان موقفاً عابراً كدخولي لحلاّق (جبرة) و لكن كانت الرسالة و احدة و هي الحفاظ على وطننا مهما بلغت المُعاناة ذروتها فكلها الى زوال بإذن الله و لكن إذا ذهب الأمن فلن يعود ، حفظ الله السودان من المتربصين و المتشدقين من (الفسباكة) و (الوستابة) بالصورة و الكلمة الكذوب و (المتبطحين) في فنادق (لوس أنجلوس) و الساعين بالفتنة بين الناس و ليبقى لنا وطننا عزيزاً شامخاً فالذين يهتفون (تقعد بس) عليهم أن يكفروا عمّا حدث و يلتفتوا الى الجوعى الذين خرجوا من أجل الرغيف ، والذين يهتفون (تسقط بس) عليهم أن يُحدثُونا ماذا بعد (بسّ) و هُنا السؤال المصيري الذي يجب الإجابة عليه بكل عقلانية ، و دمتم بعافية ،،،،،،