mlogo

كتاب الرأي

صبري محمد علي العيكورة

ثلاثة وستون عاماً نبحث عن هُويتنا الاقتصادية

كل عام والسودان بألف خير نُردِدَها مع بواكير يناير من كل عامٍ نُغنيها مع (ورّدِى) نصفقها مع الطمبور ونرقُصها مع المردوم . كل عام والسودان بألف خير نتذوقها مع الحلوى وموائد الإفطار ونهز أذرعنا مقبوضة الأيدى مُبشِرين نُهنى بعضنا بعضاً باستقلالنا . جميلٌ أن نجتّر سيرة الأبطال الذين سطّروا لنا هذا التاريخ المُشْرق ونُحدِث عنها أبناءنا وبناتنا ، جميلٌ أن تعلو مكبرات الصوت فى المحال والمركبات العامة تُغنى للاستقلال وجميل أن نُزين ساحاتنا ومياديننا بالأعلام والورود . اليومُ نرفعُ راية استقلالنا نُسطِرُها حروفاً عبر أجهزة الهواتف المحمولة نُقاطع بها الأثير ونسابقُ بها الزمن. جميلٌ أن يعرف أبناؤنا على عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ والأزهرى و محمد خير المحامى والسيد على الميرغنى و المهدى وكل رواد الاستقلال . جميل أن يعرفوا نادى الخريجين ومدنى وكوستى وأم درمان ودنقلا وكسلا و كل الحِراك الذى انتظم السودان فى تلك الحِقبة من أواسط خمسينيات القرن الماضى . جميل بل من الواجب أن لا تمرُ هذه المناسبة العزيزة علينا مُرور الكرام  ولو بنبذة مبسطة نسردها على أبنائنا نُحدثهم عن ملحمة الاستقلال .
نعم نال السودان استقلاله عن بريطانيا قبل ثلاثة وستين عاماً من الآن وترك لنا المُستعمِر بنية تحتية ما زالت شاهدة على زمن بِكٌرٍ خصُوب . فمن سودنة الوظائف الى النقل الميكانيكى و مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والطرق و خورطقت وحنتوب الجميلة ومبانى الحكومات و الإدارات الأهلية التى مازالت تُدار منها الولايات وزرع الأشجار الباسقة على ضِفاف النيل و غير ذلك من الإرِثْ . وتركوا لنا نِظاماً مُحكماً من الخدمة المدنية بوابتها هى الكفاءة والوطنية والانضباط . نعم عزيزى القارئ نال السودان استقلاله ولكن عجزنا أن نحدد له هوية اقتصادية بعد كل هذه السنون ! فما زال (الفلسُ) قابع فى جيوبنا و( الويكة) لم نُسقِطها من قائمة الضروريات ! لماذا لم يتغير حالنا نحو الأفضل ؟ هل ذهب المستعمر بالأرض والماء وثروتنا الحيوانية أم سرق عقولنا خِلسةً ؟  بالطبع كل هذا لم يحدث إذاً المشكلة فِينا نحنُ . لماذا كل هذا التخبط الذى نعالجه بالمزيد من انعِدام الرؤى وعدم التخطيط السليم فى إدارة موارد البلد هل عجِزت حواء السودان أن تنجب لنا عقول الاقتصاديين و الخبراء الذين يدبرون أمر هذا الوطن ؟ أكثر من ستين عاماً والأمراض والفقر تقاسمنا الحياة ، ستون عاماً وأجيالنا تُرهِقُها (قفة) المعيشة و يُقلِقُها الدواء ما الذى أصاب هذا الوطن ؟ ستون عاماً ولم نعرف حتى الآن ماذا نزرع وماذا نصنِع وماذا نستورد ؟ ستون عاماً و إرث المستعمر يتلاشى أمامنا فلا طورنا بنيته و لا حافظنا عليه كما كان . استخرجنا النفط فأهملنا الزراعة والرعى و أتخمتنا الكروش الكذوبة . اتجهنا نحو الاستثمارات الخارجية و أهملنا الوطن . استوردنا كماليات الترف والدعة وتركنا مُدخلات الإنتاج حتى إشعار آخر ، تقاطعت السياسة مع الاقتصاد فإتمر الاقتصاد بأمر الساسة وضاعت (الطاسة) كما يُقال و أصبحنا نُعلِق كل خيبة التخطيط والفشل على أى وزير مالية يقوده حظه العاثر لهذا الكرسى و لم يسلم مِن النقدِ أحد ولن يأتى وزير المالية بعصا موسى . بل يحتاج الى طاقم من خبراء الاقتصاد والمال والقانون والتجارة والاستثمار يعمل بكامل الصلاحية لا يعرف سوى  لُغة الأرقام والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة مع الدول الأخرى . طاقم نزيه يُختار بمِعيارِ الأمانة و الكفاءة و المِهنية لا يفهم فى السياسة البتّة ويُعلى مصلحة الوطن فوق كلِ مغنم .
استمعتُ لإحدى قنوات التلفزة قبل فترة فى لقاء مع رئيس اتحاد رجال الأعمال العرب فى فرنسا . على ما أذكر تحدث الرجل بألم عن إمكانات العالم العربى غير المستغلة وكان للسودان نصيب مُقدر من تلك الحسرة . وتساءل لمضيفه بقوله سأقول لك شيئاً لن تصدقة ! هل تعلم أن صادرات هولندا تعادل كل صادرات العالم العربى بما فيها البترول ! ثم أردف قائلاً وهل تعلم أن مساحة هولندا ضِعف مساحة الجيزة بمصر ! ثم ماذا تصدر هولندا هذه ؟ (شوية لبن وزبدة) قالها بحرقة وألم قائلاً أبعدوا السياسة عن الاقتصاد سينهض العالم العربى وكان حينها يتحدث عن ضرورة تحديد الهُوية الاقتصادية لكل دولة حسب الإمكانات المُتاحة وتفعيل التكامل وتبادل النافع . فأين السودان من كل هذا ؟ وأين هُويتنا الاقتصادية لا أحد يملك الإجابة . ذهبٌ وأرضٌ و ماءٌ ونيلٌ ونِفطُ وخططٌ خجولة تطالعنا كل عام مالى مع بشريات الميزانية (وسيشهد هذا العام....و كلام كتير بعدها) ويمضى عام كما بدأ بداخله أحلام الغلابة تنام متوسدة الوعود و الخُطط داخِل أدراج المسؤولين يُمَنّون النفس بالغدِ المُشِرِق وصحة الجسد والغذاء و مجانية التعَلُم ورخاء المعيشة . و يتنفس صباح الغد على سرابِ الخُطط والأحلام ونيلُ الفراديس يجرى والعام يمضى ولا جديد كالعَيس فى البيداء يقتُلها الظمأ والماءُ فوق ظُهورِها محمولٌ . ودمتــــــــم بعافية.

Who's Online

628 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search