mlogo

كتاب الرأي

صبري محمد علي العيكورة

اذهبُوا بقميصي هذا..!!

قالها نبيُ الله يوسف عليه السلام لإخوته طالباً منهم أن يلقوا قميصه على وجه أبيه يأتِ بصيراً كما كان عندما عرف أن أباه (يعقوب عليه السلام) قد فقد بصره من كثرة البكاءِ حُزناً على فراقه، فأمرهم بإلقاء القميص على وجه أبيه ولم يقُل امسحوا، ولعل في الأمر قوة وعُنصُر مفاجأة و (الله أعلم). ويقيناً أن ما نعيشه في السودان هذه الأيام من عُسرٍ وضيقٍ في المعيشة هو من أقدار الله ومن سُننه الكونية. فإن كان سبحانه وتعالى قد (سَلّط) علينا حكومة (عرجاء) اقتصادياً أهملت التعليم والصحة والبُنية التحّتية، فنسأله تعالي أن يُخفف ما بالسودان من العنت والمشقة وأن يحفظ لنا ديننا وأمننا، وأن يمُنُ علينا بمعجزة كقميص يوسف عليه السلام، لعل اقتصادُنا يَرتدُ بصيراً .
    مُعادلة يصعبُ وزنُها (حقيقةً) موارد وثروات ومياه وذهب ونفط وفقرٌ وجوعٌ ومرض! مشروعات (جاهزة) تفتقرُ الى الميكنة والتقانة الحديثة، وتصنيع حربي أذهل الدول المُشاركة في معارض الخليج، سياسة خارجية تُبدُعُ في رتق خلافات دول الجوار الإفريقي وتعجز عن (لملمة) جراحات جنوب كردفان والنيل الأزرق، نُصْدِر الحُبُوب الزيتية الخام ونستورد الزيوت! يُغادرنا السمسم والفول السوداني خٍلسةً وجهاراً الي مصر (المحروسة) وإثيوبيا ونستوردها (حلاوة سِمّسِميّة)! لحومنا تُصَنّع وتُباع بالدول الأوروبية تحت (ديباجة) (صُنع في مصر)! وكيلو اللحم بالخرطوم يُناطح الـ (300) جنيه!! فالى أين نحن سائرون؟              استشرى الفساد وتمددت المحسوبية غير آبهةً بدعوات المحرومين والفقراء والجوعى. ملايين من رؤوس الأنعام وأطنان من الذهب الخالص والنفط والماء والأرض البكر الخصوب! فأين تذهب هذه الخيرات أهي (سرقة أم سوء إدارة) أم هو عفريتُ من الجن ذهب باقتصادنا كما ذهب بعرش (بلقيس). ميزانيتنا للعام لا تتجاوز (25) مليار دولار والبرازيل تُصدر سنوياً لحوماً بقيمة (53) مليار دولار، هولندا تُصدر (رُبع) إنتاج العالم من الطماطم ومن مليون بقرة فقط (كنَسْتَ) (12) مليار دولار هي نتاج بيع السمن والزبدة واللبن؟ أرقام تُحيّر الحليم، امرأةٌ سَألتَ الفيلسوف العالمي (برناند شُو) عن حالة العالم الاقتصادية بعد عودته من جولة له حول العالم وكان أصلع الرأس كثيف اللّحية، فقال لها: (كما بين رأسي ولِحْيتي، غزارةٌ في الإنتاج وسوء في التوزيع)، فنحنُ كذلك عزيزي القارئ نَحرقُ (المانجو) بأبو جبيهة و(الدمازين) اتقاءً للذباب. والألبان نُريقها في سهول (بابنوسة) والبطانة والطماطم بآلاف الأطنان تفسد لعجزنا عن الترحيل والتصنيع، وحتى مُحاولات القطاع الخاص رغم قلتها تُجابه من (عمّتنا) الحكومة بالضرائب الباهظة. زُرتُ قبل فترة معاصر للزيوت ومصانع للبسكويت والطحنية بمحليّة (المناقل) عبارة عن أنموذج مُشّرِف للصناعة الوطنية، وكلّهُم يشّكُون الى الله (الحكومة والضرائب)، ويأسفون لمنافسة الزيوت المستوردة التي لا هي بجودة زيوتنا ولا هي بالأمان الصحي المطلوب. خلل وتدهور لا يحتاج لاقتصادي (أصلع) ليُحلِلهُ.. يا أخي أوقِف الاستيراد وشَجِّع الصناعة الوطنية بكل أنواعها و (ارفع) كل أشكال الجِبايات والضرائب المَعِيبة، فكيف تريد أن تُنافس بصادر أنت غير مُكتفٍ مِنهُ ذاتياً؟ وكيف تُنافس بصادر (يمُر) بأكثر من عشرين نُقطة عبور وجباية في بعض المناطق كُلُهم (يَنهَش)، فمَن يُغامر من المستثمرين وسط هذه (المَهْزلة)؟ يا أخي طبيب بيطري (واحد) يعمل بأحد موانئ دولة مُجاورة أعاد باخرة (كاملة) من الأنعام لاعتبارات قيل أنها غير مُطابقة للمواصفات فأين (بروفات) البيطرة بالسودان؟ حقيقة لدينا مُشكلة في ثقافة الصادر والتغليف والتعليب وفنْ العرض، يا سيدي (12) حبّة من الجوافة واردة من مصر في عبوة أنيقة تُباع بـ (15) ريالاً بالسعودية، يا أخي (13) جراماً من الفول المُدمّس عددتُها (12) حبّة (وربُ الكعبة) وارد الإمارات تُباع بنصف ريال سعودي! فمن أين للإمارات بالفول السوداني؟ إنها ثقافة القيمة المُضافة للمنتج الخام وهذا ما ينقُصُنا. أحد أساتذة كُلية الزراعة بجامعة الإسكندرية قال في مُحاضرة : هي ثلاثة مُتطلبات ينبغي توفرها في عُبوة التصدير أن (تَحمي وتُنمّي وتُبيع)، فأين نحنُ من هذا (الفهم)؟ فيا أيتها الحكومة (الراشدة) ارفعي كِلتا يديك عن الاقتصاد، فثلاثون عاماً من تزاوجه بالسياسة كَسد كُلّ شيء و (طار) كُلّ شيء، حتى أصبح (صَحَن) السَلَطَة نوعاً من الترف. فاذهبوا (بمقالي) هذا والقوه على وجه وزارة الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية، فسيكتفي السودان وبفائض ميزانية 100%، إذا أُحسِنت الإدارة وصُفِدت تماسيح الإنس والجِنّ وصالة كِبار الزوار..  ودُمتــــُم بعافية.

Who's Online

695 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search