صبري محمد علي العيكورة

أين المُبادرات

المُتابع للشأن السوداني يُلاحظ حالة من الجمود و الشلل الفكري و العجز التام عن تقديم أي مُبادرات من شأنها الخروج من هذا المأزق الاقتصادي الذي تعيشه البلاد و أصبح الناس (يعدون) على أصابعهم ما تبقى من أيّام مما وعد به رئيس الوزراء السيد مُعتز موسى بخصوص انفراج أزمة  السيولة و كأن الرجل وحده يملك مفتاح الحل السحري لمشاكل البلد! ولكن لم نسمع عن مُبادرات من الأحزاب الأخرى و المراكز البحثية المتخصصة في علم الاقتصاد والسياسة و لا مجلس الخبراء بجهاز السودانيين العاملين بالخارج و لا أساتذه الجامعات سوى ما تقدم به أساتذة جامعة الخرطوم و التي (برأيي) لم تكن علمية بحثية بقدر ما كانت (سياسية) يمكن يكتبها أي (مُبتدئ) من الممتطين لصهوة السياسة و أعتقد لو أنها أعدت بعناية وفق برامج مدروسة في مجالات النهوض بالاقتصاد  كالزراعة والثروة الحيوانية و السياحة و الصمغ العربي و الموانئ و الذهب و غيرها من روافد اقتصاد هذا الوطن الغني بثرواته لوجدت مَنْ يلتفُ حولها و يؤيدها و قد تجد أذناً صاغية من الحكومة و كم تفاءلت بأن هناك وفداً سيطلب مقابلة الرئيس في كامل وقار العلم وهيبة الأستاذ الجامعي يعرض تلك المُبادرة ، ولكن خاب ظني عندما رأيت أنها لم تتجاوز التجمع تحت ظل أشجار الجامعة العريقة ومنها مباشرة عبر (الميديا) فهل هكذا تُقدم المبادرات؟ وهذا بالطبع يُضاف لحالة الجمود و الإحباط الحاصلة و كأن الجميع قد وصل مرحلة الا عودة و ينتظر لحظة الترنح و السقوط لهذا الوطن و عندها فالكل خاسر لا مَحالة ! الحكومة أصبحت في مجابهة كل هذا التردي لوحدها مع اعترافها بالأزمة ولم تتنصل عن مسؤوليتها ولكن لا أظنها ستنتظر من (يُفكر) بالإنابة عنها و قد تستمر برؤيتها و فهمها الأحادي و هذا لن يقود إلا لمزيد من الإخفاق و التراجع في ظل (الرأي) الواحد و الحصار الاقتصادي الذي تُكابده منذ بداية التسعينيات ومع هذا استطاعت أن تعبر ببقاء الدولة حتى يومنا هذا فأين الوطنيون والأكاديميون من أصحاب المُبادرات ؟ و (برأيي أن تُحدِث الحكومة تعديلاً عاجلاً في هيكلتها بإدخال بعض الأكاديميين أو ما يُعرف سياسياً ب (التكنوقراط) و من خارج الأحزاب أياً كان ثقلها بما فيها الحزب الحاكم نفسه و لو أبقت الحكومة  على رئاسة (مُعتز) لها فالرجل مشهود له بالكفاءة والأمانة و ما زال يُحاول جاهداً أن يصل بالبلاد الى شاطئ الأمان الاقتصادي رغم مصارعة (التماسيح) و ارتفاع الأمواج وعلو أصوات المُثبطين للهمم .
  و لا أحد يُعفي الأحزاب (الكرتونية) المُشاركة في الحُكم من المسؤولية التاريخية لهذا التردي الاقتصادي و الأخلاقي مهما حاولت التنصل والقفز من السفينة فهي سواءٌ بسواءٍ مع الحزب الحاكم مهما رفعت صك البراءة الزائفة للتنصل و الهُروب من المسؤولية التاريخة فهم شركاء في (المنشط والمكره) ويجب أن يظلوا كذلك . ولكن عزيزي القارئ هل لدينا أحزاب حقيقية لها مواقف ورأيٌ و مبادئ ، الزعيم إسماعيل الأزهري عندما عاد من مؤتمر تأسيس دول عدم الانحياز بمدينة (باندونق) بإندونيسيا في العام (59)   وكان حزبه من المنادين بالوحدة مع مصر و بعد ما حدث في ذلك المؤتمر من إساءة عبد الناصر للوفد السوداني بسبب (العَلَم) طاف الأزهري بكل أقاليم السودان يبصر الأحزاب الأخرى بما حدث فأجمعت كلها برفض فكرة الاتحاد مع مصر برغم أن حزبه كان من المنادين بها ، إذاً نحنُ في حاجة لأحزاب قوية ذات مبادئ لا هياكل و (ديكورات) لا مبادرات لها ولا فهم سياسي و لا قاعدة حقيقية تستند عليها ،  فمن تمترس بالإرث التاريخي و ظل (بام دُرّ...سلام) يأتيه حقه (نيئاً) و مطبوخاً ، و من استوطن منهم شمال الوادي يحجُ الى السودان في موسم الحصاد وقسمة الغلة ثم لا يزور مكتبه بالقصر الجمهوري إلا مرةً أو مرتين ، فيجب لهذا (الاستغفال) السياسي أن ينتهي ! الحكومة استغلت ذلك في صالح بقائها تحت واجهات مُختلفة (الحوار الوطني و الوفاق) وغيرها من المسميات التي توحي بحكومة توافقية عريضة . و (برأيي) يجب أن ينتهي هذا العبث السياسي الذي كاد أن يذهب بالوطن . و يجب أن تُوزن كل أحزابنا بوزنها الحقيقي داخل ماعون صندوق الانتخابات و يترفّع الحزب الحاكم عن المُحاصصة والتنازل عن الدوائر لاحزاب الديكور المُعيبة و (الحشاش يملا شبكته) كما يقال ، يا أخي لدينا أكثر من ستين حزباً؟ و أكثر من (950) دستورياً كلهم يركب المراكب و يتزوج النساء فما هذه الفوضى السياسية التي نعيشها و أين مبادرات هذه (الجوقة) للنهوض بهذا السودان ؟ لا توجد و أتحدى من يأتيني بذلك ! ، قانون الأحزاب لم يعد صالحاً للسودان و لا بد من تعديله ورفع سقف شروط الحزبية الحقة فلدينا من أهل القانون والسياسة من هم أهل لذلك. و حتى ما يُعرف ب (تجمع المهنيين) عليه أن يخرج للملأ برؤيته و يتهندم بلباس الفرنجة أو العمامة السودانية فله ما يشاء . و يطلب مقابلة الحكومة اليسوا هم أصحاب رؤية وفكر لحكم السودان؟ فلماذا يرضون لأنفسهم أن يكونوا نكرات و (بوستات) على وسائط التواصل الاجتماعي! فصاحب المبدأ لا يرضى الدنيّة في مبدئه فلرُبما يكون هذا (التجمع) أنفع من (أحزاب الفكة) و الحكومة المُترهلة الحالية ، فقط أظهروا للعلن و كلنا قد يتبعكم إذا أقنعتنا رؤيتكم و مبادرتكم لحكم السودان فقدموا لنا كتاباً مخطوطاً لنقرأه) والعرس تسبقه الشورة) حفظ الله أمن هذا الوطن من كل سوء و أن يولي أمره من يصلح .
و دمتـــــــــــــم بعافيــــة ،،،،،،