mlogo

كتاب الرأي

المقالات

زوابع مفتعلة ومعارك في غير معترك

مضت حتى الآن ما يقارب التسعة
شهر من بداية المظاهرات السلمية التي انطلقت منذ اليوم التاسع عشر من شهر ديسمبر عام 2018م وحتى سقوط نظام الانقاذ في الحادى عشر من شهر أبريل عام 2019م، وتلت ذلك المرحلة الممتدة حتى الآن. وما جرى بكل يومياته وتفاصيلها الدقيقة موثق. وان قوى إعلان الحرية والتغيير مكونة من عدة احزاب هي حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب الناصري وكيانات اخرى مثل نداء السودان الذي يضم عدداً من الأحزاب مثل حزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني، وعدداً من الحركات المسلحة المنضوية في الجبهة الثورية. وأعلن بعد ذلك تكوين كيانين يضمن كل منهما عدداً من الأحزاب، ولم نعد نسمع عنهما شيئاً بعد إعلان تكوين كل منهما في مؤتمر صحفي بثا بثاً مباشراً او بعد ساعات في عدد من الفضائيات والإذاعات التي اولت اهتماماً بالغاً لما يدور في السودان طوال الشهور المنصرمة، ومنحت فرصاً كثيرة لعدد كبير من المراقبين والمحللين والمعلقين والناشطين سياسياً. وفي غمرة هذا الحراك الكثيف وما صحبه من أخذ ورد ومساجلات ساخنة بين أطراف عديدة، خلت الساحة من كل حسيب أو رقيب، وبلغت الفوضى والهمجية حدها الأقصى في الأسواق، وارتفعت الأسعار ارتفاعاً جنونياً، وتردت الخدمات، وتضرر تلاميذ وتلميذات المدارس وطلاب وطالبات الجامعات وأسرهم من توقف الدراسة لشهور عديدة... وأعدت وثيقة دستورية للفترة الانتقالية، وبقليل من الحكمة والتروى كان يمكن أن تمضى الأمور دون إثارة أي لغط، ولكن المؤسف أنها أهملت تضمين مسلمات لا اختلاف حولها، وهناك أشياء واضحة وضوح الشمس في كبد السماء وراسخة رسوخ وثبات جبل مرة ولا يمكن إزالتها او تجاهلها والالتفاف حولها، واذا ضمنت في الوثيقة أو لم تضمن فهي من الأشياء التي لا اختلاف حولها.. ومن هذه الأشياء أن الاسلام هو دين الأغلبية الكاسحة الساحقة من الشعب السوداني، ولا يقل عدد المسلمين عن سبعة وتسعين في المئة من عدد سكان السودان، والمقصود بهذا العدد كل الذين يدينون بالاسلام، ولا يقتصر هذا على المنتمين لتنظيم بعينه أو حزب أو جبهة أو طائفة أو طريقة أو جماعة، بل المقصود بهذا العدد كافة المسلمين بكل انتماءاتهم لليمين أو اليسار أو الوسط، وليس هناك احتكار للإسلام أو وصاية واوصياء على المسلمين... وتوجد أقليات من أهل الكتاب ومن الوثنيين، وظل السودان منذ القِدم ومازال يشهد تسامحاً دينياً لا مثيل له.
والمواطنة تضمن لكل فرد مسلم أو مسيحي أو غيرهما حريته في معتقده وتمتعه بكافة حقوقه الدستورية والقانونية في التملك والتنقل وفي الانتخابات وفي اعتلاء المواقع وفقاً للكفاءة والتأهيل، وعلى سبيل المثال فإن السيدة الفضلى رجاء نيكولا عبد المسيح وهي من الاقباط قد اختيرت بتوافق تام عضو محترماً بمجلس السيادة، وقوبل اختيارها بارتياح عام. وإن كافة المسيحيين بمختلف انتماءاتهم يمارسون طقوسهم الدينية في كنائسهم بحرية تامة، وهذا حقهم وليس منحة من أحد، ولم تحدث حالة واحدة فيها اعتداء عليهم لاسباب دينية في يوم من الأيام. وهناك تواصل اجتماعي بين الطرفين، وعلاقاتهم طيبة تمضي في سهولة ويسر، والشواهد على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال العلاقات الطيبة والصداقات الحميمة بين المسلمين والأقباط بحى المسالمة بأم درمان، ولذلك فإن القول بأن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة وأن الشريعة الإسلامية من أهم مصادر التشريع، لا يعنى غمط حقوق الآخرين، وهم على العين والرأس، وحقوقهم محفوظة وحريتهم مكفولة لأداء شعائرهم الدينية والاحتكام في قضايا الاحوال الشخصية وغيرها للقوانين التي تتماشى مع معتقداتهم الدينية دون إكراه. وهناك مسلمات متفق عليها بين الطرفين ولا شيء يشكل هاجساً بينهما. وفي الانتخابات التي أجريت في عام 1986م خاضها حزب الأمة القومي بموجب برنامج نهج الصحوة الإسلامية، وخاضها الحزب الاتحادي الديمقراطي وهو يرفع عالياً شعار ونداء (جمهورية إسلامية مية المية)، ورفعت الجبهة الإسلامية القومية شعاراتها المعروفة وهتافاتها في الندوات والليالي السياسية (شريعة شريعة ولا نموت.. الإسلام قبل القوت)، وعند ظهور نتائج الانتخابات حصلت الاحزاب الثلاثة مجتمعة على مئتين وخمسة عشر مقعداً في الجمعية التأسيسية، ووجه الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي ورئيس الوزراء المنتخب يومئذٍ قبل ثلاثة وثلاثين عاماً (ثلث قرن) رسالة عامة مفتوحة، ذكر فيها بالنص أن نتائج الانتخابات أثبتت وأكدت أن الخيار الإسلامي هو الخيار المتفق عليه بين أهل السودان. وكما ذكرت آنفاً فإن حقوق الأقليات الدينية محفوظة، وينبغي الاعتراف بحقوق الأغلبية والاعتراف أيضاً بحقوق الأقليات والوصول لصيغة توفيقية، وهذا يستدعي مخاطبة العقول وعدم الرجوع للنقطة صفر في الانتخابات العامة القادمة التي ستجرى في نهاية الفترة الانتقالية، وعدم تأجيج العواطف الدينية لمكاسب دنيوية وحصد اصوات الناخبين، ثم ينفض السامر كما حدث في الماضى، ويسدل ستار النسيان على ما جرى ترديده من شعارات وهتافات لحين حلول الانتخابات التي تليها... والإسلام محل تقديس في نفوس المواطنين، وهو دين الوسطية والاعتدال ومكارم الأخلاق والحض على النهج القويم والسلوك المستقيم، ومن يتولى المسؤولية والقيادة والريادة ينبغي أن يطبق هذا فعلاً لا قولاً، ليكون قدوة في الطهر والنزاهة والورع... إن كتشنر عندما دخل السودان غازياً ومستعمراً فإنه تجنب الاصطدام بالشيوخ والعلماء والفقهاء وحفظة القرآن الكريم الاجلاء، لأنه يدرك أن أي مس بعقيدتهم سيحرك حميتهم الدينية ويحاربوه حرباً لا هوادة فيها، وكان لشيخ العلماء محمد البدوي مهابته وكان قوي الشخصية، ولذلك كان ونجت باشا يضع له ألف حساب، وظل السودانيون يمارسون شعائرهم الدينية في حرية تامة، وأدى الكثيرون فريضة الحج، وكانت وثائقهم تستخرج في سهولة ويسر، وكان للقضاء الشرعي وقاره واحترامه، ويحكم في قضايا الأحوال الشخصية بما نصت عليه الشريعة الإسلامية، وكانت الخلاوى تؤدي دورها، ولم يعترض المستعمرون على قيام المعهد العلمي في عام 1912م الذي منح الشهادة العالمية في عام 1924م لأول دفعة تخرجت فيه...الخ.
واذا كان المستعمر حذراً ولم يستفز مشاعر المسلمين، فإن على الحاكمين الآن أن يدركوا أن احترام العقيدة واجب ديني وأخلاقي ووطني، وأن أي مس للعقيدة بأية كلمة طائشة أو عبارة واحدة غير لائقة فإنها تؤدي لثورة غاضبة لا تبقي ولا تذر، والمرحلة تقتضي سعة الأفق والهدوء والسكينة من كل الأطراف بلا تشنج أو تنطع ومغالاة، ولا أحد له الحق في منح صكوك الغفران والادعاء بأن هذا هو معسكر الإيمان وذلك هو معسكر الكفر. والمعضلات العويصة التي تحيط بالوطن لا تحتمل الشد والجذب، وتتطلب أن تتحد اللحمة الوطنية، وأن يتجه الجميع للعمل والبناء.. والوطن مؤهل ــ بإمكاناته الهائلة وموارده الضخمة غير المستغلة ــ أن يكون في ذروة شامخة.

Who's Online

597 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search