كتاب الرأي

د. معتز صديق الحسن

مكبات سكة الحديد

>  على أغلب امتداد شريط السكة حديد الرابط لأكثر من (40) كيلومتراً ما بين مدينتين من مدن ولاية نهر النيل يمتد منظر واحد وصادم –وليس بمستبعد تكراره في مدن وولايات أخرى- إلا أنه يبكي الأعين بدموع الدم لقبح دمامته ويزكم الأنوف بعطاس العفن والتعفن ويهيج الجلود بـهرش الحساسية والتحسس و... و...>  والإصابة يومياً بكل تلك الأعراض نتيجة لانتشار التلال العالية من الأوساخ والقاذورات -وسط الناس- من بقايا لذبائح الميري والكيري والحيوانات النافقة وأشواك النباتات والأشجار وأكياس النايلون الشايلها الهواء -رغم ارتفاع حجج المحاربة لها- فكل هذه الأوساخ المتعددة والكثيرة كأنها على طريقة من كل كوشة قمامة وليس من كل روضة زهرة.>  لا تدري ما السبب الدافع لإصرار أهالي تلك المناطق في الأحياء والقرى سواء أكانوا شرق السكة حديد أوغربها بالتحرك صوب الشريط الحديدي وردمه بأوساخهم الناتجة من نظافة بيوتهم الخاصة أو بحسب طبيعة أعمالهم المختلفة ما يجعلها تحيط به كإحاطة السوار بمعصم دميمة.>  فهل الذهاب لما بعد شريط السكة حديد بمسافة قصيرة والبعيدة حتى زمان قريب باعتبار أنه وقبل امتداد المباني وكثرتها كانت تعتبر في أقصى الخلاء الذي يفضل دونه الرفيق الفسل والوصول إليه هو أبعد نقطة عن العمران فإن كانت سياسة خاطئة متبعة في الماضي فما الداعي لاستمرارها في الحاضر وليس ثمة جهود تجري لتفاديها وتجنبها ولو مستقبلاً.>  بحسب مجريات الأحداث المستمرة هذه ولسنوات طويلة لا تملك إلا أن تردد في نفسك (الحمد لله أن شريط نهر النيل بعيدٌ جداً منهم ولا يستطيعون التوجه إليه بأرجلهم) فالظن أنه لو كان قريباً منهم فلن يتورعوا بالذهاب إليه وصب جام غضب كل مخلفاتهم عليه في ضفتيه الشرقية والغربية ليدفنوه حياً وهذا لا ينفي تهمة وصول البعض اليه بمياه الصرف الصحي ومخلفات المصانع عامة والمدابغ خاصة وغيرها.>  على ذكر الدفن للمياه بهكذا صورة سيئة -متخيلة أو واقعة الحدوث عندنا- استحضرت هنا بعض المناطق المسماة بـالدفنة في بعض من دول الخليج والتي تدفن بعض أطراف ماء خلجانها بإهالة التراب عليها لبناء ناطحات السحاب والمطارات فما أكبر الفرق بين دفنة للتخريب ودفنة أخرى لمزيد من العمران والتطور.>  بالرجوع للتخلص من المخلفات بمثل هذه الطريقة الخاطئة فهل ترجع لعدم وجود عربات النفايات أو لغيابها الذي هو أكثر من حضورها أم أنهم يرون أن التخلص منها لا يصلح معه إلا تطبيق شعار (لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد) أم يخيل إليهم أن قضبان السكة حديد يوماً ما سوف (تحمل ثقل أحمال أوساخهم إلى خلاء لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس).>  إذن هذه الأوساخ التي يموت كثير منها الموتة الثانية تحت عجلات القطار الذي ربما يأتي في الشهر لمرة واحدة أو قد لا يأتي فلو كانت لدى أولياء أمرها من وزارات البيئة والتصنيع مطالب بدماء فوائد تدويرها لكانت هي الغلطانة بحسب قوانين السكة حديد فهذا طريق القطار الوحيد وهي التي جاءت إليه في مكانه لكن للحق هي ليست بمخطئة فالغلطان الإنسان الذي قذف بها تحت عجلات القطارات.>  للصراحة ما أقبحها من مناظر عندما ترى المدن وأريافها تنام وتصحو وهي متوسدة لأكوام القمامة في طرقاتها وأسواقها ومستشفياتها وسكك حديدها و... و... فبعيداً عن المراعاة لفضائل الذوق ورقي المشهد العام فقبل ذلك هي عنوان باين لجواب الصحة فإذا فسدت القمامة فسدت الصحة وإذا نُظّفت القمامة استقامت الصحة.>  اقتراح على طريقة مناداة أحدهم بصوت عال نصيحة بقرش وعندما يدفع البعض له القرش من باب الفضول لمعرفتها يجيبهم بأنها : (لمن تدور تخيّط أعقد الخيط من وراء) فطالما لا تتوفر عربات للنفايات لتذهب بها بعيداً عن سكن الناس ومعالجتها بدون أضرار للبيئة.>  فالرجاء لكل من يحمل منها شيئاً فليحمل معه أعواد ثقاب لحرق أوساخه بنفسه ويراقبها خشية حدوث أضرار أخرى غير متوقعة وإن كانت فيه بعض الخطورة لكن الأخطر الأكبر أن تترك كما هي لتتوالد فيها الجراثيم والأمراض ولترعى فيها الأغنام والحمير والطيور والكلاب الضالة وغيرها.>  وبما أن هذه الأكوام العالية من الأوساخ ربما يصّعب من أول وهلة عملية نقلها وإزالتها لتراكمها بالسنوات أخشى أن يكون عندنا قريباً مقترحاً يحاكي عبقرية البصيرة أم حمد بنقل المواطنين للخلاء ليبنوا مساكن جديدة على أن يستمر نقل أوساخهم وقمامتهم الجديدة لذات المواقع القديمة والموجودة فيها -الآن- أصلاً. هذا والله المستعان. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search