كتاب الرأي

د. معتز صديق الحسن

مجـاملــون ولكــن

 * مما لا شك فيه أننا أكثر شعوب أهل الأرض قاطبة تحكمهم وتتحكم فيهم عادات وأعراف وأدبيات المجاملة المجتمعية، حيث أنها تسود في كافة أشكال تعاملاتنا الحياتية المختلفة وبلا استثناء. ويدور الناس في فلكها أينما دارت، وإذا ما نادتهم  ــ أي المجاملة ــ أن هلموا إلى هنا تدافعوا إليها  بإصرار كبير، كإجابة الفراش للسقوط في النار، وأما إذا ما انتفت وجوداً في أي موضع كان فروا منه وهم لا يلوون على أحد كفرار الصحيح من المجذوم. 
     * وهذه المجاملات الاجتماعية ــ في الغالب ــ تبدو للناظر  أنها تمارس وكأنها مجرد عادة لا أكثر ولا أقل؛ لكنها تُصان ويُلتزم ويُؤتى بها بدرجة تكاد تصل إلى قدسية الالتزام بالعبادة  ــ هذا إذا جازت العبارة ــ لأن الهم الكبير فيها أولاً وأخيراً ومن غالب الأفراد الاتيان بها من أجل أو بسبب خشية الناس، الا من رحم ربي، وقليل ما هم من يحرصون بصدق خفي بأن تبذل منهم هذه التصرفات والأفعال الجميلة ابتغاء أجر الآخرة من رب العباد، ولا يلقون أي بال أو حساب لرياء وأجر الدنيا الفاني من العباد.
   * ويبدو كل هذا الرهق لأنفسنا مادياً أو جسدياً أو فكرياً أو الثلاثة مجتمعة في حال مشاركة الأفراح أو مقاسمة الاتراح أو تبادل زيارة الارحام أو التوسط والجودية لحل المشكلات أو... أو... وجميعها نقوم بها من أجل إرضاء فئة من الناس، إما لرد دين مجاملة سابق أو لابتدار تعامل مجاملاتي جديد أو لمجرد الظهور بمقام الخيرية الشوفونية، وهذا الرياء المكلف للجيوب والقلوب والألباب قد نضرب له أكباد إبل البصات السياحية والمواصلات الداخلية ترحالاً ما بين ولاية وأخرى أو بين مدينة وأخرى، هذا غير إن دعا الحال الاستعداد والتطوع بضرب أكباد الأقدام.
    * والسيئ بل الأسوأ في الأمر كله، أنه ليست هناك مساحة محددة للمجاملة المتصنعة والمتكلفة هذه، فإلى جانب نطاق الأسر والأهل هي تمتد إلى الأصدقاء والمعارف وزملاء الدراسة والعمل، لتكون آثارها السلبية أكثر من الايجابية، طالما انها تقوم على تلك الموازين والمعايير الخاطئة، ففي الاجمال غالباً ما تحدث شروخاً في علاقاتنا الاسرية وقطعاً لأرحامنا، أما في العمل فقد تؤدي إلى تعطيله أو عدم تطوره، ومع الأصدقاء مثلاً فقد توصلنا إلى درجة الاستمساك بالذي هو ادنى جليس السوء وتفضيله على الذي هو خير الجليس الصالح.
    * وسوف يظل يحدث كل ذلك باستمرار ما لم نتعرف على الواجب وأدائه بالصورة الصحيحة والسليمة والمخلصة، وطالما أننا نؤمن بها على هدى كن مجاملاً ترى الوجود مجاملاً لا على رؤية كن جميلاً ترى الوجود جميلاً. وكيما يحدث التغيير في هذه النظرة والمعاملة الخاطئة في مجاملاتنا، فليكن ضابطنا الأخلاقي فيها أنها جميلة في حال أنها طبع والتزام أخلاقي لا يريد جزاءً ولا شكوراً، وقبيحة جداً في حال أنها قامت على شفا جرف هار، مستندة إلى أن الوصل فيها من أجل المكافأة لا صلة لمن قطعك، ولا إعطاء لمن حرمك، ولا إنصافاً لمن ظلمك ولا ... ولا..
   * أخيراً وليس آخراً أوصيكم ونفسي، ولكي لا تكون هذه القيم الموروثة والمكتسبة والتي هي عندنا من جلائل ونفائس الأعمال العظيمة مبنى والكبيرة معنى والجميلة مظهراً والنظيفة جوهراً، فمن أجل الا تكون مجرد تظاهر وتفاخر ورياء وإضاعتها سدى كهباء منثور أو كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فلنحرص ونتسابق إلى حفظها وعدم تضييعها، بأن نبنيها ونحصنها بقيم الصدق والايثار والتضحية والوفاء والاخلاص و... و... سائلين الله تعالى أن يرزقنا الموافقة ما بين جهرنا وسرنا وظاهرنا وباطننا.. آمين يا رب.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search