mlogo

كتاب الرأي

د.عمر محجوب الحسين

أزمة الاقتصاد وإدارة موازنة الأسرة

إن كيفية التعامل مع الأزمات عموماً يسمى إدارة الأزمات (Crisis Management)، والأزمة هي تغييرات مفاجئة غير متوقعة تطرأ على البيئة الداخلية أو الخارجية لا يمكن تجنبها، ويصل التحدي إلى ذروته في مرحلة وجود الأزمة فعلاً حيث يتطلب الأمر عندها القيام باتخاذ أصعب القرارات وأسرعها. باختصار إن إدارة أي أزمة يتطلب السرعة في التصرف والاعتراف بحقيقة وجودها, كما أن تحدي الأزمة ومواجهتها أفضل من الهروب منها، إن الفشل في التصدي لأى ازمة ما هو إلا نتيجة لغياب التخطيط والسياسات والاستراتيجية. ونحن هنا سوف نتحدث عن الازمة الاقتصادية العاصفة التي تشهدها بلادنا ليس من زاوية كيفية ادارة الدولة لهذه الأزمة لكن من ناحية اثرها على موازنة الاسرة وكيفية ادارة هذه الموازنة لتغطية نفقات الاسرة الضرورية وبصورة تضمن لها حسن ادارة دخلها وترتيب اولوياتها باقل قدر من العجز المالي. والموازنة هي خطوة من خطوات إدارة دخل الاسرة المالي، وتطلق كلمة موازنة على كل تخطيط من شأنه أن يؤدي الى توزيع الموارد المتوفرة على الاحتياجات المتعددة، وتستخدم الموازنة لتحديد طريقة استخدام الفرد والأسرة للدخل في فتره زمنية محددة قد تكون شهراً أو أسبوعا أو عاماً، ولا يقصد بتخطيط الدخل التقتير بل التوازن المالي، الهدف من وضع الموازنة هي جعل الدخل يحقق أقصى إشباع لرغبات وطلبات الأسرة، اذاً موازنة الأسرة هي عملية التخطيط للدخل والنفقات الاسرية لفترة زمنية محددة، تتطلب مشاركة أفراد الأسرة كافة.إن الغذاء والمأوى والكساء هي الاحتياجات الأساسية للأسرة، فكيف يمكنها تحقيق هذه الاحتياجات الاساسية؟ فعليها شراء الطعام والملابس وتوفير السكن المناسب، ولشراء أي شيء نحتاج الى المال. فمن أين يمكننا الحصول على هذا المال؟ في الغالب يعمل الوالدان لتوفير المال لإدارة المنزل ومحاولة تلبية احتياجات جميع أفراد الأسرة، ويمكن لرب الاسرة تحقيق دخل إضافي من خلال مصادر أخرى، لكن في ظروف السودان الحالية وتدنى مستوى الاجور وضعف قيمة الجنيه والتضخم لن تستطيع الاسرة تغطية نفقاتها مطلقاً إلا بعون خارجي، لذلك نحتاج الى ادارة هذه النفقات وادارة الدخل الذى يتم الحصول عليه من خلال وضع موازنة للنفقات العائلية وهي أساس خطة الإدارة المالية السليمة للأسرة عند استخدامها مع وجود سجل للإنفاق الفعلي، وتتيح لك موازنة الأسرة عند تنفيذها تحديد النفقات غير الضرورية، والبنود التي قد تكون فيها التكاليف الفعلية أعلى أو أقل مما كنت تتوقع سابقاً، ويمكن أن تتيح لك إدارة موازنة الأسرة أيضاً اكتشاف طرق الاستخدام الامثل لأموالك وبشكل أفضل، مثل خفض الديون وادارة المدخرات وتنظيم الاقتراض. ومن المهم أن يشارك جميع أفراد الأسرة في عملية تحديد الأهداف هذه بحيث تعكس الأهداف تصورات وطموحات كل فرد من أفراد الأسرة، وعند وضع أهداف الأسرة لا بد أن تسود الواقعية قدر الإمكان والاخذ بعين الاعتبار كل الدخل المتاح. من جانب آخر سوف يؤدي تحديد أهداف عائلية غير قابلة للتحقيق إلى إحباط لا لزوم له ويجعل عملية اعداد الموازنة أقل فعالية وفائدة. ومن الاهمية بمكان تحديد قيمة المصروفات الثابتة ايجارات، اقساط الديون ومصاريف الدراسة، وتحديد المصروفات الشهرية الراتبة من طعام وكهرباء ومياه واتصالات ومواصلات، أيضاً تحديد المصاريف السنوية المرتبطة بالأعياد والمناسبات الثابتة والعام الدراسي. وهناك نقطة جد مهمة وهي الحرص على عدم تداخل النفقات بين المصروفات، وفي حالة وجود فائض مالي في أحد البنود يجب وضعه كمبلغ مدخر بدلاً من صرفه على بنود أخرى غير مخططة.عادة تزيد المصروفات عن الدخل وهنا على الأسرة أن تقوم بتقليل مستوى المعيشة والبعد عن التكلف وقيل قديماً "الاقتصاد نصف المعيشة" والاكتفاء بالطلبات شديدة الأهمية والاستغناء عما دون ذلك، الاستفادة من الخدمات المجانية كالعلاج والتعليم المجاني، عدم الإسراف في الاستهلاك سواء في الغذاء أو استخدام الماء أوالكهرباء والهاتف، شراء السلع بكميات اقل، واستخدام البدائل ما أمكن، ويمكن لأفراد لأسرة من الابناء والبنات الاسهام في دخل الأسرة من خلال المساعدة في الأعمال المنزلية مثل التنظيف، غسل الاواني أو الملابس وكيها، أو إصلاح الأدوات المنزلية وطلاء الجدران، والاستغناء عن الدروس الخصوصية بالاعتماد الذاتي، الاحتفاظ بالأدوات الدراسية في مكان تخزين عند انتهاء العام الدراسي واستخدامها في العام التالي. أيضاً البعد عن ما يعرف بحمّى الشراء والتسوق وهي أخطر ما يمرّ على الأسرة استجابة للاستهلاك المظهري والانسياق وراء ضغوط التقليد، ونعلم مدى تأثير الإعلانات التجارية التي تدفع افراد المجتمع خاصة ذوي الدخل المحدود والقوة الشرائية المنخفضة نحو نشاط استهلاكي غير ضروري، دون تحكيم دقيق للعقل وتقدير المرصود في الموازنة الاسرية وبنودها، ويمكن تجنّب الوقوع في حمى التسويق بوضع قائمة للأشياء المطلوبة قبل القيام بعملية التسوق، ايضاً للزوجة دور مهم جداً في إدارة شؤون المنزل وتدبير المصروفات ونشاطات التسوق. إن الهدف من وضع موازنة للأسرة هو حل المشاكل المالية في الأسرة الناتجة عن الإدارة المالية غير السليمة، تحديد النفقات بناءً على أولوية الاحتياجات وبما يتناسب مع الدخل المتاح، إحلال الأمن المالي والسلام للأسرة، جعل أفراد العائلة المشاركين في وضع الميزانية على علم بأهمية زيادة الدخل. ويتم التأكد من حسن ادارة الموازنة من خلال قيد جميع النفقات والايرادات ومن ثم اجراء مقابلة بين ايرادات الدخل والنفقات ثم تأتي خطوات تحديد ما إذا كان هناك عجز في الموازنة، من خلال التأكد من انه لم تحدث مبالغة في تقدير أي من النفقات أو الدخل، أقل من التقدير المطلوب.إن الوعي بأهمية اقتصاديات الأسرة ومواردها المالية والتخطيط السليم للإنفاق يؤثر إيجابياً بدوره على الاقتصاد الوطني. ذلك لأن ادارة موازنة الاسرة امر ضروري لمواجهة أعباء الحياة، نتيجة زيادة أسعار السلع المختلفة والخدمات الأمر الذي يتطلب حسن ادارة الموارد المتاحة للتعاطي مع متطلبات الازمة الاقتصادية.

Who's Online

535 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search