كتاب الرأي

د. عصام بطران

رؤية استراتيجية للاستثمار الزراعي العربي

ولج الاستثمار الزراعي العربي في السودان منذ سبعينات القرن الماضي وتحديداً بعد الطفرة التي شهدتها منطقة الخليج العربي بعد ظهور البترول ومن المعروف ان السودان وصف حينها بـ "سلة غذاء العالم" الا ان الحصار الغربي المفروض على السودان منع من ان يتحقق هذا الحلم الذي ظل يراود السودان وامتنا العربية لما فيه من توفير للامن الغذائي اذا ما وُضعت رؤية استراتيجية سودانية عربية مشتركة مدعومة بتسهيلات تحسّن من مناخ الاستثمار وادخال قوانين جديدة على نظام ملكية واستخدام الاراضي الزراعية بالسودان ..
 يتبين من الواقع الراهن ان التوجه الاستراتيجي لدول الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية يبحث عن ايجاد بدائل لاقتصاديات النفط وذلك الاتجاه ادى بقوة لاحياء فكرة جعل السودان "سلة غذاء العالم" من خلال توفير رؤوس الاموال اللازمة لتنفيذ المشروعات الزراعية الطموحة في هذه الارض البكر الواعدة زراعياً فضلاً عن بدء تنفيذ اتفاقيات شراكة ثنائية مع بعض الدول الخليجية للاستثمار الجيد للمساحات الزراعية المتاحة للبدء في الانطلاق نحو تحقيق الحلم العربي بتوفير الامن الغذائي والعمل على تضافر الجهود لتحقيقه على ارض الواقع بدلاً من اهدار الوقت والزمن والطاقات في صراعات وخلافات تنعكس سلباً على شعوب الامة العربية والافريقية ومقدراتها التي لن يحافظ عليها احد سواهم ..
 يعد الامن الغذائي العربي من اكبر واهم التحديات التي تواجه امتنا العربية خلال الوقت الراهن والعقود المقبلة ولذلك سعت الجامعة العربية الى تبني مبادرة الرئيس المشير/ عمر البشير التي اطلقها في قمة الرياض وجدد دعوته في هذا الشأن في القمة العربية التي عقدت بشرم الشيخ لتأمين الغذاء العربي من خلال جعل الاراضي الزراعية بالسودان سلة للغذاء العربي والافريقي وذلك بتوفير الامكانيات اللازمة والتقنيات الحديثة لسد الفجوة العالمية من الغذاء التي من المتوقع ان تتجاوز قيمتها ٤٤ مليار دولار بحلول عام ٢٠٢٠ ..
 من نماذج التجارب الناجحة في مجال الاستثمار الزراعي العربي في السودان تجربة المملكة العربية السعودية والتي تمت عبر توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز  لرؤوس الاموال السعودية بالتوجه الفوري للاستثمار الممنهج في الزراعة والانتاج الحيواني بالسودان وذلك بغرض الاكتفاء الاستهلاكي المحلي من المنتجات الغذائية للبلدين  .. الا ان الدولة والمواطن كانا غير واثقين من نجاح مثل هذه المشاريع بسبب التخوف من الفشل وانسحاب رؤوس الاموال الخليجية نتيجة العقبات التي ظلت تلازم نظام الملكية واستخدامات الاراضي بالسودان وقد تحدث معي في هذا الشأن احد المستثمرين منتقداً تمسك الاهالي بملكية الاراضي دون الاستفادة باستثمارها قائلاً :  "الواطة قاعدة والموية راقدة والزول اقول دي واطاتي حقت جدودي وما ازرع ولا احصد ويظل متمسكاً بها جرداء بلقع فقط من اجل الملكية العرفية والمناطقية والعشائرية" وحفاظاً على العادات والتقاليد ..
 هناك نماذج في مجال الاستثمار الزراعي حققت نجاحات منقطعة النظير وتظل تجربة المستثمر السعودي "الراجحي" افضل تلك النماذج بعد الانتاج الوفير الذي حققته مشاريعه الزراعية بولايتي نهر النيل والشمالية.
حيث دشن الشيخ "سليمان الراجحي" حصاد استثماره الزراعي في السودان لمشروعه بمنطقة بربر بانتاجية فاقت المتوقع بحصاد ٣٠ جوال للفدان المزروع من القمح  وهذه الانتاجية تجاوزت المعدلات العالمية من انتاج القمح ..
 مثل تلك النجاحات سوف تساعد الدولة للانتباه لهذه الثروات فالاستثمار العربي واجه صعوبات .. وكان في السابق طابعه التردد والانسحاب .. ونجاح مشاريع "الراجحي" يولد مزيداً من الثقة ولكن لابد ان يعزز ذلك الجهد العربي بدخول الرأسمالية الوطنية في هذا المجال عبر شراكة استراتيجية تتيح لاصحاب الارض التطوع باراضيهم مقابل عائد مجز لهم عبر الشراكة الثلاثية للمشروع .. الدولة، المستثمر وملاك الاراضي فالسوق العربية تحتاج الى منتجات زراعية غذائية نظيفة تزرع في اراض بكر لم تتشبع باستخدامات الاسمدة والمبيدات ومروية بمياه نظيفة وفي ارض تعد الاصلح من حيث الانسياب ولسهولة عمليات الفلاحة خاصة بعد تراجع السوق الزراعية المصرية من مد تلك الاسواق باحتياجاتها الغذائية ..
 لابد من وضوح الرؤية الاستراتيجية للتعامل مع الاستثمارات العربية في مجال الزراعة لتحقيق الامن الغذائي العربي فارض السودان واعدة بالخير الوفير .. فقط على الدولة ايجاد صيغة قانونية لفك احتكار الاراضي وتحريرها من قبضة الارث المناطقي والعشائري لصالح استثمارات زراعية تعود بالمنفعة على البلاد والعباد ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search