كتاب الرأي

د. عصام بطران

جنوب السودان البحث عن استراتيجية الجوار الآمن

من الشرق الى الغرب وفي خطوط فاصلة اكثر تعرجاً كحال العلاقات السياسية بينهما، تمتد الحدود الفاصلة بين السودان الوطن الكبير والدولة الوليدة في جنوب السودان في خط فاصل يعتبر الاطول من بين دول الجوار السوداني، كما انها الحدود الاكثر سوءاً في الاستقرار الامني بالمنطقة والاقليم على الاطلاق، وقد لعب الصراع المسلح بجنوب السودان باختلاف ايديولوجياته دوراً بارزاً في التوتر على الحدود الفاصلة بين الدولتين. ولعل من بين اسباب تصاعده ومآلاته التركيبة القبلية والعرقية لسكان جنوب السودان التي انعكست على عدم اتفاق الفصائل المقاتلة بالجنوب قبل وبعد الانفصال، حيث كان وظل ولاؤها للقبيلة دون وجود اهداف وثوابت وطنية مشتركة تصب في مصلحة قضية جنوب السودان نحو بناء ركائز الدولة المدنية المعاصرة .. كما ان المصالح الدولية والاقليمية واجنداتها في تقديم الدعم بالسلاح والتدريب وتقديم السند السياسي لكل فصيل دون الآخر ليس ايماناً منهم بقضية جنوب السودان كشعب، ولكن وفق نظرة تضارب المصالح مع الحكومات السودانية المتعاقبة وخاصة في محور دول الجوار .. وايضاً تأثير الرواسب التاريخية التي خلفها المستعمر وتمكنه من وضع متاريس وجدر من عدم الثقة بين شعبي جنوب وشمال السودان، ونظرة المواطن الجنوبي للمواطن الشمالي نظرة المستعمر البديل بعد استقلال الوطن الكبير .. وقد لعبت طبقة المتعلمين والمثقفين الجنوبيين دور الفاعل الرئيس في تاجيج الصراع، لتبنيهم خيار الحل العسكري اكثر من الحلول السياسية في تعاطيهم مع ازمة جنوب السودان، حيث ظل الدعم العسكري مصدراً من مصادر الثراء لتلك القيادات.. بجانب انقسام الحركات المسلحة الى مجموعات وفصائل وتشظي تلك الحركات الى عدد من الالوية والكتائب التي تختلف في ولائها حسب وجهتها.
 والخلفية السياسية الفكرية والتاريخية لميلاد الحركة السياسية الجنوبية الاولى كانت قائمة على تلك الظروف، مما وسع من تنامي قاعدة الشك والريبة من نوايا الشمال تجاه الجنوب، وتولدت لدى التنظيم السياسي الجنوبي آنذاك الرغبة السالبة في التعبير عن ارادة الجنوبيين، ودفعت هذه التصرفات والسياسات الشمالية واستغلال الانجليز لها الى ازدياد شكوك الجنوبيين وتعميق قناعاتهم بأن الجنوب مقبل على مستقبل غير مأمون عقب الاستقلال، ودفعتهم نحو التوحد والتكتل الذي تحول الى تنظيم سياسي منحرف في الفترة التي سبقت انتخابات عام ١٩٥٣م .. ولم يكن الامر مستغرباً ان تولد الاحزاب والقوى السياسية الجنوبية في هذا الوقت متوائمة مع تطلعاتهم الوطنية، وحتى الاحزاب التي تولدت وانشقت من ذلك التنظيم الاول كانت تحمل معها كل بذور الخلافات والانشقاقات القائمة على محاور الوحدة غير المشروطة مع الشمال او الفيدرالية او الانفصال التام، وقد تم التعبير عن تلك المحاور في مؤتمر المائدة المستديرة في عام ١٩٦٥م، ولكن هناك قوى سياسية جنوب سودانية نادت مبكراً بحق تقرير المصير، وطالبت باجراء استفتاء بين اهله ليقرروا ان كانوا يرغبون في وحدة دون قيد او شرط او في حكم  محلي او فيدرالي او هم يرغبون في الانفصال عن الشمال. وكان مطلب حق تقرير المصير قد برز في مؤتمر جوبا انعكاساً لرغبات الجنوب وامانيه في ذلك المؤتمر على اقتراع الاستقلال في ديسمبر ١٩٥٥م.
ويعد التاريخ السياسي من الملفات المهمة لفهم طبيعة مأزق الدولة في جنوب السودان، حيث تضافرت مجموعة من العوامل على تقسيم السودان معنوياً قبل ان يصبح حدودياً، حيث عملت السياسات الاستعمارية على اظهار وتغذية الاختلافات الاثنية واللغوية والعرقية والدينية، وفرقت في التعامل مع الجنوب والشمال في قضايا اهمها التعليم، فبدأت تظهر الاختلافات الثقافية، وساد اعتقاد لدى الاوساط الاهلية في الجنوب بأن الشماليين تجار رقيق .. مما زاد نزعة الحركات الاجتماعية القبلية بالجنوب، وصارت اكثر رسوخاً من المؤسسات السياسية مقابل نمو الحركة السياسية الوطنية بالشمال، بينما ظلت في الجنوب محدودة ومنغلقة على المعطيات الاجتماعية القبلية.
 ولعبت الأحزاب السياسية عاملاً أساسياً في تحريك المجتمع، وقد كان للأحزاب الجنوبية أثر في تعميق ازمة جنوب السودان لعدم اتفاقها على مشروع سياسي موحد، بخلاف الحركة الشعبية لتحرير السودان التي نالت الدعم السياسي لوجود جناحها العسكري وكسبه اراضي سميت بالمحررة نتيجة فرض السيطرة العسكرية والسياسية عليها .. وقد كان للأثر التاريخي السالب للاحزاب السياسية الجنوبية دور متعاظم في المأزق الذي تعيشه الدولة الوليدة في جنوب السودان الآن.
 ادراك الدولة (الأم) لمتطلبات (الجوار الآمن) هو ما دفع القيادة السياسية في البلاد لرعاية اتفاق يمهد للتعايش على الحد الادنى بين الفرقاء الجنوبيين، فمن اهم متطلبات امن الحدود بين السودان وجنوب السودان الاستقرار السياسي بين المكونات القبلية.. لأن القبيلة في الجنوب هي جوهر التكوين السياسي والعسكري وهي المتحكم الفعلي في مفاصل الحكم ودواوين الدولة.. وكذلك إدراك الحكومة السودانية أن من أهم (محفزات الجوار الآمن) سيادة الأمن والاستقرار والكف عن دعم الحركات المسلحة من كافة الأطراف، مما يتيح انسياب التبادل التجاري والنفطي وينعش اقتصاد الدولتين المنهك .. ولكن يبقى التحدي في استدامة (الجوار الآمن) بين الشمال والجنوب هو (الضمانات) التي تؤثر في استمرار العملية السلمية في جنوب السودان، وأهمها بناء جدار الثقة بين أطراف النزاع المختلفة.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search