كتاب الرأي

د. عصام بطران

العيد .. تغير السلوك في التواصل الاجتماعي

في الآونة الاخيرة انتشرت التطبيقات التي تسمى بمواقع التواصل الاجتماعي واشهرها "الفيس بوك والواتساب" بشكل سريع وواسع وأصبح متاحاً استخدامها لكل من يمتلك هاتفا متنقلا تقريبا يدعم هذا البرنامج ويتميز تطبيق "الواتساب" على وجه الخصوص بشعبية واسعة , وعن سر تسمية التطبيق فتم استيحاؤه من عبارة باللغة الإنجليزية و هي (what’s up)   التي تستخدم بين الأصدقاء للسؤال عن كل جديد "ماذا هناك" وان فريق العمل الذي ابتكر هذا البرنامج مكون من شخصين كانا يعملان لمدة عشرين عاما في شركة ياهو وكانت فكرتهما إيجاد بديل للرسائل النصية القصيرة التقليدية ..منظومة التطبيقات والبرامج التي يطلق عليها مواقع التواصل الاجتماعي تم استخدامها وبكثافة لتحل محل ممارسات وتعاليم دينية وعادات وتقاليد كانت متوارثة لأجيال سلفت من التواصل الاجتماعي الروحي الواقعي والمجسد واستبداله بالتواصل الاجتماعي "الافتراضي" وأدخلت عبره سلوكيات اجتماعية كانت في وقت قريب غير مقبولة, فمثال لذلك ان تقدم دعوة زواج عبر رسالة هاتفية فانها تعتبر من المنقصات الشخصية وتجعل هناك احساسا بالتصغير والدونية والتحجيم لمستوى ودرجة قبول الدعوة والرغبة في المشاركة .. وأنموذج آخر تقديم واجب العزاء في فقيد عبر رسالة "واتساب" تعتبر من انواع عدم التقدير والارتقاء لمستوى الحزن على فقد عزيز .. وان تعاود في مرض احد الأرحام او الأصدقاء عبر رسالة نصية لا يجد ذلك القبول والرضاء .. اما الآن وبدخول "الواتساب" في ميدان معركة مسح الهوية الاجتماعية الايجابية  المتفردة لمجتمعنا الإسلامي فقد اندثرت تماما صلات الأرحام وعيادة المريض واتباع الجنائز وانقطعت "المحنة" وتصلبت القلوب وأصبحت كالحجارة او أشد قسوة ..هل تصدق ان تطبيق "الواتساب" اسهم بطريقة غير مباشرة في فعل "اللا تواصل الاجتماعي" الحميم الذي حث عليه ديننا الحنيف ,فقد شرع الله اتباع الجنازة لما يتضمنه اتباعها من الصلاة على الميت والدعاء له والترحم عليه ودفنه ومواراته، ولما فيه من التضامن مع أهله ومواساتهم وتسليتهم وتخفيف مصابهم وإدخال السرور عليهم .. كما ان فيه تذكيرا بالموت من باب العظة وحثا على الاستعداد له .. فكان من أهم حكم اتباع الجنازة إكرام الميت ونفعه بالدعاء والصلاة عليه وإفشاء التواصل والمحبة والتكافل بين المسلمين ..قد أمر الله بصلة الأرحام والبر والإحسان اليهم , ونهى وحذر عن قطيعتهم والإساءة لهم. وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ان قطيعة الأرحام مانع  من دخول الجنة مع اول الداخلين .. وعلى الرغم من وصية الله ورسوله بالأرحام وذوي القربى , عد الاسلام صلة الرحم من الحقوق العشرة التي أمر الله بها ان توصل في قوله تعالى { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى } البقرة 36 .. إلا ان جلّ المسلمين أضاعوا هذا الحق بعد ظهور رسائل "الواتساب" مثل اضاعتهم لغيره من الحقوق او أشد مما جعل الحقد والبغضاء والشحناء تحل محل الإلفة والمحبة والرحمة بين اقرب الأقربين وبين الإخوة في الدين على حد سواء .. صلة الرحم شعار الايمان بالله واليوم الآخر وتجلب التراحم والحب وتقرب بين المتخاصمين وتزيل البغضاء والكراهية ..تعتبر العادات والتقاليد في المجتمع السوداني عبارة عن تجارب طويلة لحياة الناس خلال تاريخهم الحافل بالأحداث وبالطبع لم تأت هذه التعاليم الدينية والعادات والتقاليد من فراغ لكن يبقى السؤال هل خسر المجتمع السوداني بوجود مواقع التواصل الاجتماعي و"الواتساب" على وجه الخصوص قيم العادات والتقاليد الكريمة ..؟االإجابة بالتاْكيد نعم خسر المجتمع بسبب وجود مثل هذه المواقع خاصة مع تقدم الحياة وتعقيدها بحيث أصبح جزء من هذه العادات ضرباً من الماضي. ولتبيان هذا الامر علينا ان نعرف الدور الذي تلعبه العادات والتقاليد في حياة المجتمع وهذه هي اهم الوسائل التي شرعها الإسلام لتحقيق الإخوة والمحبة بين الناس وإدخال السرور على نفوسهم وإشعارهم بالامن والراحة والسكينة والطمأنينة تجاه الآخرين .. وقد رتب الاسلام القيام بهذه الوسائل اجرا عظيما وثوابا جزيلا ما لصاحبها في الدنيا من توفيق وتيسير وإعانة وهداية وما يحصله بذلك من محبة وقبول ..بمناسبة العيد السعيد والذي يعتبر "الواتساب" فاعله الاساس  بلا منازع في عملية التواصل الاجتماعي الجديد, بإرسال المعايدات وتهانئ العيد وعبره ارسلت واستقبلت مئات الرسائل المتعددة التصميمات والمنمقة الأحرف والكلمات الا انها لم تكن مثل فتح الأبواب مشرعة لتبادل التهانئ والسلام بـ"الأحضان" وذرف الدموع من المودة والحب وطلب العفو والعافية, وبذلك نكون قد اضعنا قيمة انسانية اصيلة تلاشت واندثرت وقد كانت عنصرا هاما من عناصر ومكونات الأعياد ألا وهي تبادل الزيارات ومواصلة الأرحام والجيران والأصدقاء والزملاء .. لعن الله "الواتساب" الذي ذهب بإرث اجتماعي زاخر بـ "الحنية" والتراحم والقرب الروحي والوجداني, وحل محلها الجفاف العاطفي والقسوة وفقدان التراحم والتواصل حتى صارت تلك التطبيقات التي عرفت بمواقع التواصل الاجتماعي سببا في اللا تواصل وانقطاع التراحم والمودة بين الناس ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

646 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search