كتاب الرأي

د. عصام بطران

الصين .. قصة الخروج عن السور العظيم

القصيدة الشهيرة التي نظمها الزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" مبجلا فيها "سور الصين العظيم" وأشهر مقاطعها حين قال: "ليس رجلا حقيقيا من لم يزر سور الصين العظيم" جعلت من ذلك السور الذي تقوقعت داخله الممالك الصينية القديمة حماية لنفسها من هجمات الممالك الشمالية الناهضة في ذلك الزمان .. والسور البالغ طول امتداده ستة آلاف وسبعمائة كيلو متر يمثل قيمة حضارية وتراثية للشعب الصيني .. ولكن الفعل السلوكي المنغلق الذي تركه "سور الصين" كان الأعظم مما انعكس على المجتمع والحكم في دولة الصين .. 
تميزت السياسة الخارجية الصينية بشقيها الدبلوماسي والعسكري بما عرف اصطلاحا بعلاقة الصداقة مع الشعوب دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول .. وظلت الصين تتخذ من العلاقات الاقتصادية والتجارية الجادة مدخلا لبناء علاقات استراتيجية مع كثير من دول العالم خاصة تلك التي تعاني من تقاطعات في علاقاتها الخارجية مع الدول الغربية .. والصين تمارس أعمال الدبلوماسية الشعبية وتهدف الى توطيد أواصر الصداقة بين الشعوب ودفع التعاون الدولي والحفاظ على السلام العالمي وتحقيق التنمية المستدامة المشتركة .. وتعمل الصين على تطبيق السياسة الخارجية المستقلة مع التمسك بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي وذلك بممارسة النشاطات الدبلوماسية الشعبية المتناسقة والشاملة .. 
كان السودان مدخلا للصين في بناء علاقات استراتيجية اقتصادية تطورت الى سياسية في القارة الافريقية .. والعلاقة بين السودان والصين مثلت أنموذجا لكثير من دول القارة الافريقية التي ظلت تعاني ولفترات طويلة من احتكار في التعاون الاقتصادي المشروط بمستحقات سياسية وعسكرية تتجاوز حدودها الى سياسة "الاحتواء" الاستعماري القديم الموزع بين دول النفوذ الغربي القديم في القارة الافريقية .. وقد وجدت كثير من دول القارة الافريقية ضالتها في الحصول على مشروعات تمولها الصين في مجالات البنى التحتية دون شروط سياسية او استخبارية خاصة بعد التجربة الناجحة للصين في استخراج وتسويق البترول السوداني .. 
...والصين تدخل عالم القروض من بوابة الكويت وتقترض ٩،٥ مليون دينار كويتي للإسهام في تمويل مشروع مطار "بانزيهوا" وفي زعم الكويت ان المشروع يهدف الى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مدينة "بانزيهوا" من خلال توفير مرفق لخدمة النقل الجوي قادر على مواجهة الطلب الحالي والمتوقع منه بكفاءة وأمان. والقرض الذي يموله الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية لا يمثل إلا اشارة ذكية من الصين لمزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية في عقر مصالحها بالخليج العربي وتمثل تلك الخطوة خروج استراتيجي للصين من بوابة سورها العظيم نحو منطقة ممنوع الاقتراب منها .. يبدو للخبراء الاستراتيجيين ان الصين تتمحور الآن استراتيجيا وفق تطورات السياسة الدولية التي تفرض عليها مواكبتها, ويعزى ذلك للمتغيرات الأقليمية والدولية في اكثر المناطق سخونة في العالم بمناطق "الخليج - الشرق الأوسط - البحر الاحمر والقرن الافريقي" .. لم يعرف للصين سياسات توسعية ولا استعمارية ولا عسكرية خارج حدودها .. على الرغم من امتلاكها كل المقومات لذلك فهي من اكبر الدول انتاجا وتسويقا للسلاح كما تمتلك أقوى ترسانة للاسلحة وجيش من أقوى الجيوش من حيث العدة والعتاد والتكنلوجيا القتالية الدفاعية والهجومية .. ولكنها لم تشارك بقواتها في منظومة الأحلاف الدولية بيد انها تشارك فقط في عمليات حفظ السلام تحت منظومة الامم المتحدة وفق موازنات استراتيجية لها في السياسة الدولية .. 
يبدو التمحور الاستراتيجي في السياسة الخارجية للصين وللمرة الأولى بخروجها من "السور العظيم" نحو الدخول في عالم ترسانة القواعد العسكرية خارج حدودها واختيار الصين للقرن الافريقي وبالتحديد "جيبوتي" التي تطل على ممر مضيق باب المندب الذي يعد المدخل الرئيس للبحر الاحمر يمثل قفزة نوعية وكمية في تمكين الوجود العسكري الذي يخدم استرتيجياتها الاقتصادية في القارة "البكر" افريقيا .. ووجود قاعدة عسكرية بحرية صينية في مضيق باب المندب الاستراتيجي له مدلولات مهمة في هذا التوقيت المفصلي الذي "تتبرعم" فيه تشكيلات دولية جديدة بمنطقة البحر الاحمر وان كانت في طور "التشرنق"  إلا ان المخطط الاستراتيجي الصيني ينظر الى اهمية وجوده المبكر في قلب الأحداث من باب المبادأة للعب دور استشرافي يمكنه من إيجاد موطئ قدم في الخارطة الجديدة للمنطقة ..
خروج الصين من منظومتها الاستراتيجية التي محورها "الصداقة مع الشعوب" ووسيلتها بناء علاقات اقتصادية بعيدة عن المؤثرات والمشروطيات السياسية، يعتبرها المراقبون خطوة نحو التمحور الاستراتيجي الذي ينتظم السياسة الدولية رغم ان الصين تؤكد ان دخولها عالم القواعد العسكرية خارج حدودها وتحديدا في البحر الأحمر وخليج عدن يأتي وفق رؤية استراتيجية للمساهمة في تقديم الدعم اللوجستي لعمليات السلام التي تشارك فيها الصين بافريقيا .. فهل يا ترى خروج الصين من "سورها العظيم" سيمثل نقلة نوعية في سباق توازن القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في منطقة البحر الاحمر والقارة الافريقية أم ان الغرض من دخولها الى حلبة القواعد العسكرية لفرض مزيد من الضغوط الاقتصادية على "الدولار" لصالح "الين"؟؟ .. هذا ما ستفصح عنه ردود أفعال للاعبين الدوليين في المنطقة وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد خروج الصين من سورها العظيم ..
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

617 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search