كتاب الرأي

د. عصام بطران

الرياضة .. فقدان بوصلة المنطق

لست من المهتمين بالشأن الرياضي .. ولا ادعي المعرفة بما يدور في الوسط الرياضي من قريب او من بعيد .. ولا أبالغ ان وجدت نفسي في غاية الحرج عندما التقيت لاول مرة بالدبلوماسي العريق د. حيدر  حسن الذي كان حينها مديرا للمراسم والتشريفات بوزارة الخارجية وكنت حينها أقصده في مهمة رسمية على الرغم من معرفتي السابقة له حينما كان سفيرا للسودان في الجزائر .. ولم أتخيل في يوم من الايام ولم يدر في خلدي انه كان من عتاة اللاعبين للعبة الأكثر شعبية في العالم "المستديرة" كرة القدم بل كان من أماجدها وكابتن الفريق القومي السوداني لردح من الزمان في سبعينات القرن الماضي .. وأرجع الى تلك الزيارة وانا بداخل مكتب السفير "حيدر" اذا باحد الزملاء يدخل علينا ويسلم عليه بنهم وترحاب .. "إزيك يا قاقارين" ودار بينهما حديث كروي متخصص بان لي من خلاله اني أمام قامة كروية سامقة .. وبمجرد خروجنا من مكتبه بادرته بسؤال هل للسفير "حيدر" اسم آخر غير الذي أعرفه .. فضحك الى حد "القهقهة" قائلا : "في زول ما بعرف علي قاقرين" اجبته نافيا فعاود الضحك حتى اسكته فرد علي : "السفير حيدر كان من أكبر  لاعبي كرة القدم في السودان وعربيا وافريقيا" وهو "علي قاقرين" الشهير عند اهل الرياضة ..
 ابتدر حديثي بهذه الرواية ليس للتقليل من شأن الرياضة ولا الرياضيين ولكن "المحبة من الله" وحب الرياضة والرياضيين هواية يمارسها العديد من اصدقائي وكثيرا ما أجد نفسي مضطرا للاستماع الى مساجلاتهم ومجادلاتهم التي تصل الى حد الصخب وتؤدي بهم الى الشتائم والخصام والقطيعة .. ليس ذلك على مستوى الأفراد ولا المجموعات ولا على المستوى المحدود، بل امتدت هذه الآفة الى الملأ والفضاء الواسع عبر الصحافة الرياضية .. "ورقية كانت او على الأثير او الكترونية" وفي ذلك نالت مواقع التواصل الاجتماعي النصيب الأكبر من المساجلات والمجادلات بل والمهاترات و "الشتم" بما في "المشتوم" او بما ليس فيه .. وقد وصل الجدال الكروي الى حد العراك بالأيدي والترصد والتهديد وجال في صالات وقاعات القضاء والمحاكم بدرجاتها المختلفة حتى اصبح للمحكمة العليا والدستورية ايضا نصيب من المواجهات المدنية والجنائية والإدارية.  العالم من حولنا جعل من الرياضة سفارات بلا جهد دبلوماسي ولكن الامر في السودان يختلف تماما حيث تسود المجتمعات الرياضية كثير من الخلافات بسبب او بلا سبب، فكان الخلاف في السابق حول التحكيم وان ذلك الحكم محسوب على ذلك النادي وأطلقت عبارات "التحكيم فاشل" التي هدمت على انغامها ميادين ومنشآت وصروح صرف على انشائها كثير من المال .. ثم طفت الى السطح الخلافات الادارية بسبب حاجة الاندية الرياضية الى راعٍ من اهل المال للصرف على المناشط والسفر والإقامة والاعاشة بالفنادق واقامة المعسكرات الداخلية والخارجية ودفع رواتب اللاعبين المحترفين ومكافآت الفوز واستحقاقات المدرب الاجنبي واسترضاء اللاعبين "المتمردين" .. كل ذلك بعد ان اصبحت الرياضة حرفة وليست هواية كما الحال في الغناء والهبوط والانحدار في مستواه حتى اصبح الأثرياء من فئة "الكفر والوتر" اكثر من الأثرياء الناشطين اقتصاديا وعالم الشهرة فيهما اكثر من العلماء النجباء .. ثم تطور الامر في الخلافات والصراعات الرياضية خاصة في عالم "المجنونة" كرة القدم الى صراع الجهويات والمناطقيات, فما عاد الهلال واحد فهناك هلال في الجبال وآخر في الرمال وغيرهما كثر والطامة الكبرى اذا تلاقى الهلالان بانت الجهوية بوجهها الكريه وعلت المناطقية على القومية وتفرق الجمعان عند النصر أو الهزيمة .. ولاتخلو مدينة بالبلاد وليس بها مريخ يتمترس حوله "المريخيون" عند لقاء غيرهم وتسموا الجهوية والمناطقية حينما يلتقون أندادا .. ولا ادري اي قانون يحكم الرياضة ويتم بموجبه تسجيل ٥٠ ناديا رياضيا بمسمى واحد. هل "كملت الأسامي" ام ذلك مدعاة لمزيد من الفرقة والاختلاف .. ثم تطورت الخلافات الرياضية بظهور الصحافة المتخصصة واصبح لكل جماعة رياضية صحيفتها وكتابها ومنظروها بل وقنواتها الفضائية .. ومما "زاد الطين بله" تبنى كل "لورد" من "لوردات" و"أباطرة" الاندية الرياضية صحيفة وكتاباً يقفون من خلفه ويتولون إخراص الالسن التي تناله انابة عنه فصاروا بمثابة "الناطق الرسمي" عن جنابه .. ثم تطور الامر في الخلافات الرياضية الى الولوج في عالم السياسة فلكل حزب ناديه و "زبانيته" ولكل "ريس" "جلاوزته" ودخل في الممارسة الرياضية فقه "الحكومة والمعارضة" وحتى الحركات المسلحة ومعسكرات النازحين نالت نصيبها من الانتماء الرياضي المحسوب على جهة دون الاخرى, كما اصابت الرياضة ايضا لعنة الانشقاقات داخل الحزب الواحد فأصبح داخل كل نادي حزبان وثلاثة ومن كل حزب مجموعتان او ثلاثة انشقت على نفسها وصارت في صراع "مستميت" من اجل الظفر بالمناصب الادارية .. وظهر في المجتمع الرياضي الخلافات الاقتصادية الناتجة عن التنافس من اجل بناء علاقات افقية ورأسية يتم من خلالها تمرير "البزنس" وخلق العلاقات الدولية والاقليمية فأصبح كرسي رئيس الاتحاد او النادي لا يقل عن الكرسي "الوزاري" فمن باب الشهرة يتم التواصل السهل والسلس مع اهل النفوذ والمتنفذين وتعقد من خلال ذلك الصفقات وتفتح الأبواب المغلقة وفي نهاية الصراع الكروي وظفر مجموعة على الأخرى يمكن ان تنهار ممالك اقتصادية وتنمو اخرى..
 في عهد الرئيس المغفور له بإذن الله "نميري" أعلن الرياضة الجماهيرية بعد ان ضاق ذرعا من الخلافات والصراعات الرياضية وخروجها عن ما تدعو اليه من تسامح وحب وإخاء حينها هتف من خلفه الجمهور "لا هلال لا مريخ" وتعطلت مسيرة الرياضة وتقدم الاندية الرياضية فبالرغم من غضبة المشير "نميري" آنذاك عن حال كرة القدم وما آلت اليه من تراجع في المستوى وبلوغ حد لا يحتمل من الصراعات إلا ان القرار لم يعد على الرياضة والرياضيين بخير فالمنع ليس من العلاجات الناجعة ولكن النظام والتنظيم هما السلوى في إيجاد الدواء .. وعلاج الجرح العميق الذي أصاب المجتمع الرياضي يحتاج الى وقفة تصحيحية وميثاق شرف تحكمه استراتيجية تتبناها الدولة تجتث بالدواء المر الداء الذي اأصاب اخلاقيات الرياضة والسمو بقدرها على مستوى الميدان واللاعب والادارة والقانون، واذا لم تقف الدولة بموقف حاسم للم الشمل وإيقاف الصراعات والمهاترات بالمجتمع الرياضي فحتماً ستكون النتيجة مزيداً من الصراعات والانشقاقات والكيد الرياضي .. لا سيما ان وراء كل مجموعة "حارقي بخور" و"مطبلاتية" وأصحاب "أجندات" خفية يسعون من وراء ذلك الى تأجيج الفتنة لإدارك المصالح الذاتية ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

557 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search