كتاب الرأي

د. عصام بطران

الإنقاذ وجور ذوي القربى!!

 تمر الذكرى (٢٩) لثورة الانقاذ الوطني وقد انجبت من احشائها ثلاثة اجيال منذ عام ١٩٨٩م، بينهم الآن من هو قيادي في قطاع الشباب او الطلاب في (حزبي) المؤتمر الوطني .. ولا ابالغ ان قلت احدهم وزير او معتمد في احدى الولايات .. كان هذا اليوم محل احتفاء وطني كبير تتداعى اليه كل ولايات السودان صوب (الساحة الخضراء) التي شهدت اضخم العروض العسكرية والجماهيرية احتفالا بذكرى ثورة الانقاذ الوطني .. والساحة الخضراء التي شرع في تشييدها بالعون الذاتي والتبرعات المقدم يوسف عبد الفتاح الشهير بـ (رامبو) في ٩ مايو ١٩٩٢م بعد عودته مباشرة من زيارة كنت ارافقه فيها الى الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى، وكنت قد عملت معه سكرتيراً منذ ٧ يوليو ١٩٨٩م، اي بعد ايام سبعة من قيام ثورة الانقاذ الوطني .. ذلك بعد ان شاهدنا خلال الزيارة (الساحة الخضراء) في العاصمة الليبية طرابلس التي يحتفي فيها العقيد/ معمر القذافي بذكرى ثورته في الفاتح من سبتمبر من كل عام .. وقد كانت معركة تشييد (الساحة الخضراء) معركة وطنية شاركت فيها كل قطاعات العمل الوطني بالسودان حيث اكتملت في (٤٥) يوماً فقط، وتم افتتاحها والاحتفال فيها بالذكرى الثالثة للثورة، واحتشد فيها عدد تجاوز المليون من الجماهير، ومثل بذلك اضخم واكبر احتفال منذ قيامها وحتى الآن، وذلك بفعل الانتصارات الساحقة التي حققتها القوات المسلحة بجنوب السودان في عمليات صيف العبور (رضي الله عنها وارضاها) وتقبل شهداءها واجر جرحاها ورد مفقوديها.
 جاءت (الانقاذ) تمثل احد نماذج الحكم العسكري في دورته الرابعة منذ استقلال البلاد كنتاج طبيعي لاستمرار الخلافات الحزبية فيما بينها .. وتصدي القوات المسلحة لحسم الفوضى والتجاوزات الحزبية خاصة بعد مذكرة الجيش التي قدمها للحكومة والتي لم تجد اذناً صاغية، وحينها بدات الخلايا الحزبية داخل القوات المسلحة في التحرك، فتم اكتشاف محاولة انقلابية في نصف يونيو ١٩٨٩م اعدها التنظيم المايوي داخل الجيش، الا انها قد احبطت واودع بعض الضباط المشاركين فيها الحراسة المشددة بحامية جبل اولياء، وكان من بينهم العميد (آنذاك) الزبير محمد صالح الذي اصبح فيما بعد نائباً اولاً لرئيس الجمهورية في اعقاب التغيير العسكري الذي قام به بنجاح في ٣٠ يونيو ١٩٨٩م العميد/ أح (آنذاك) عمر حسن أحمد البشير .. وبذلك دخلت البلاد في الدورة الرابعة للسلطة العسكرية في السودان، وفي البيان الاول للعميد ركن عمر حسن، اعلن ان ثورة الانقاذ الوطني يتزعمها عدد من ضباط القوات المسلحة من الرتب المتوسطة والصغيرة، وتم تشكيل مجلس لقيادة ثورة الانقاذ الوطني الذي علق العمل بالدستور الانتقالي وحل الجمعية التأسيسية ومجلس الدولة والوزراء وجميع الاحزاب السياسية والنقابات وعطل العمل بالصحف واعلن حالة الطوارئ .. وقد شهدت البلاد خلال الفترة التي تعد الاطول بين الحكومات الوطنية التي حكمت السودان في تاريخه الحديث، العديد من الاحداث كان من اهم معالمها انعقاد عدد من المؤتمرات في المجال السياسي والاستراتيجي والسلام والاعلام .. الخ، وشارك فيها عدد كبير من المختصين وأهل الرأي قدموا من خلالها رؤيتهم لحل معظم قضايا البلاد.
وادخلت الحكومة نظام المؤتمرات الشعبية الذي قدم السند للانقاذ الوطني عبر اللجان الشعبية والقاعدية، وطورت الفكرة بقيام المؤتمر الوطني وهو نظام سياسي وليس حزباً سياسياً، الى ان اعلن عن صدور قانون التوالي السياسي في ١٩٩٨م الذي سمح بممارسة العمل الحزبي، واعلن ان المؤتمر الوطني هو الحزب الحاكم في السودان بمشاركة عدد من الاحزاب السياسية (المنشقة) من احزاب كبيرة .. وقد شهدت البلاد طفرة تنموية في مجال البنى التحتية لم تشهدها من قبل، خاصة في مجال الطرق والجسور واستخراج النفط وتصديره للخارج وانشاء السدود.
كما تم التوقيع على عدد من اتفاقيات السلام بين الحكومة وبعض الفصائل من المتمردين بجنوب السودان والشرق وبعض الحركات المسلحة بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وكذلك التوقيع على اتفاقية السلام الكبرى (نيفاشا) التي انهت قتالاً بالجنوب دام لعشرات السنين وذلك في عام ٢٠٠٥م.. كما اجيز الدستور الانتقالي .. وقد انتهجت الحكومة منهج الحكم الفيدرالي وقسمت البلاد إلى (٢٦) ولاية منها (١٠) ولايات جنوبية و(٦٦) محافظة، ثم بعد تم انشاء المحليات بدلا من المحافظات قبل الانفصال..
 وتعتبر حكومة ثورة الانقاذ الوطني من اكثر الحكومات التي واجهت صراعات على السلطة في تاريخ البلاد، حيث لم يكن الصراع على السلطة داخلياً فحسب، بل واجهت ضغوطاً خارجية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البلاد الحديث، حيث تم احباط عدد من المحاولات الانقلابية ضد الانقاذ اشهرها المحاولة الانقلابية للبعثيين في رمضان ١٩٩٢م .. و ازدياد وتيرة التمرد في جنوب البلاد ودارفور وجبال النوبة والنيل الازرق، وانطلاق المعارضة الحزبية المسلحة بالشرق ومناطق اخرى بالبلاد .. وقد زادت الضغوط الخارجية من الدول الغربية واعلانها الحصار الاقتصادي والسياسي ودعمها لحركات التمرد بالسلاح والمال، ودعم دول الجوار للحركات المسلحة والمعارضة، حيث شمل ذلك كل الشريط الحدودي مع دول الجوار .. اضافة الى التدخل الأممي عبر الامم المتحدة ومجلس الامن وفرضها العقوبات على السودان .. وقد واجهت الانقاذ معارضة شرسة من الاحزاب والقوى السياسية مدنياً وعسكرياً .. وقد افضى الصراع على السلطة في حقبة الانقاذ الوطني الى كثير من المآلات على البلاد اهمها تعرض البلاد للتدهور الاقتصادي وانخفاض قيمة العملة المحلية مقابل الاجنبية نتيجة الحصار والعقوبات الامريكية الاحادية الظالمة.
ويعتبر فصل جنوب السودان عن شماله وفقدان السودان الموحد من اهم الاحداث في عهدها، اضافة الى ظهور ازمة في الهوية وتفشي النعرات القبلية والاثنية والجهوية .. وقد ادت العزلة الخارجية الى فقدان البلاد الدعم والسند الاقتصادي والسياسي .. اضافة الى تدويل قضايا السودان الداخلية في مجلس الامن والجمعية العامة للامم المتحدة واستهداف قياداته بالمحاكمات الدولية.. ولكن من اكثر (النوائب) التي لازمت الانقاذ هي جور بعض ذوي القربى، فاصابها داء الانقسام وصارت شعباً وقبائل، منها الوطني والشعبي والاصلاح الآن، ومنهم من بين هؤلاء واولئك ناس (كراع برا وكراع جوا)، ومنهم من تدثر بالحركة الاسلامية وعاءً جامعاً، ومنهم من لزم بيت ابا سفيان او بيته آمناً، ومنهم من تبدلوا تبديلا .. ولولا (المؤتمر الوطني) الذي ظل مكافحاً ومنافحاً وتحمل ظلم وجور ذوي القربى لكانت الانقاذ هباءً منثوراً.
 ان ما يحسب للانقاذ انها اشركت كل من اراد المشاركة السياسية معها في حكم البلاد بما فيهم متمردون سابقون نازلوها في ساحات القتال، ويحسب لها ايضاً ادارة اكبر عملية حوار وطني سياسي ومجتمعي في تاريخ البلاد توصلت فيه الى تفاهمات مشتركة بينها والقوى السياسية المعارضة حول تداول السلطة، الا انها قد افلحت أخيراً في الحصول على قرار برفع العقوبات الامريكية التي امتدت لاكثر من عشرين عاماً قضت فيها على الاخضر واليابس .. وللانقاذ (٢٩) عيداً مضت .. وصحو الذكرى المنسية يداعب الانقاذيين بالاحتفاء والاحتفال .. فلا ادري ما هي الحكمة من توقف قيادتها عن الاحتفال بذكراها شأنها في ذلك شأن كثير من الشعوب التي تحيي ذكرى حكوماتها مدنية كانت ام عسكرية .. وتمر الذكرى (٢٩) وكأن هنالك قصداً من اخفاء معالم ذلك اليوم الذي لا ينسى وسيظل حاضراً في مخيلة الانقاذيين والاسلاميين على حد سواء .. وخاصة الخصوص من المجاهدين والصادقين من جيل (العشر الاوائل) من سني الانقاذ .. فهل يُمحى التاريخ بمجرد عدم الاحتفاء، ام هو جور ذوي القربى على انفسهم؟!
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search