mlogo

كتاب الرأي

د . ربيع عبدالعاطي عبيد

مع التحية لرئيس مجلس الوزراء الانحناء للعاصفة أفضل أم مواجهتها؟ (128)

ظهرت في دنيا السياسة مصطلحات عصرية تتحدث عن حالات في تاريخنا الإسلامي كانت بمسمى الكرَّ والفر، والآن حسب المستجدات أصبحت لها أسماء أخرى بمثل الانحناء للعاصفة، أو الوسائل الدبلوماسية، ومصطلحات أخرى أشبه بالتلاعب بالألفاظ، مع ثبات المرامي، والأهداف.
والانحناء للعواصف أصبح في زمان النظام العالمي الجديد، الذي نعيش غرائبه وعجائبه، إن اعتمد كسياسة للخروج من المآزق لتحول إلى انحناءة دائمة وركوعٍ ما بعده قيام.
 والتجارب المتكررة في حقل العلاقات الدولية المعاصرة، أبانت للقيادات في العالم الإسلامي، أن العواصف لتركيع الشعوب لا يكتفي مثيروها بواحدة، لكنهم يستمرأون التعذيب والإذلال كلما هدأت عاصفة لإثارة أخرى، ولقد أشارت الشواهد المرئية الى أن التنازلات في حق الشعوب وعلى حساب السيادة، تمثل بالنسبة لمن ينتجون الأزمات ويعملون لتصعيدها فرصة عظيمة، ولا يكتفون باقتناص الفريسة لكنهم يصرون على تمزيقها، وطحن عظمها لتستحيل إلى طعام شهىٍ لا مجال لإعادته إلى مادته الأصلية تارة أخرى من جديد. والشعوب في عالمنا المعاصر، استوعبت هذه الدروس بكثرة الضربات الموجعة التي أصابت رأسها ونخرت أمخاخها، فأصبحت أكثر وعياً من قادتها، ويكفى في هذا المقام الإشارة إلى استيقاظ الشعوب المصري والتونسي والليبي، وفي الطريق تبدو معالم يقظة في كلٍ من اليمن، وسوريا، ولا ندري ما هى اليقظات الشعبية التي يخفيها القدر، ولم تنجل عنها حتى الآن عتمة الليل، وتظهر معالم إنبلاج الفجر الجديد.
وحتى تكون قراءتنا على قدرٍ من الوضوح في هذا السياق، ونستطيع أن نستفيد من الدروس، ونتعلم أنَّ الإنحناء للعواصف، لم يعد حلاً إن لم يكن ورطة بعدها يكون منعطف الطريق في وجهنا يمثل صعوبة قصوى تجعل من العسير اجتيازه، والتغلب على متاريسه، فإننا مطالبون بعدم الانصياع من الوهلة الأولى لأي إغراء يدفعنا نحو التنازل قيد أنملة عن المبدأ والعقيدة، لأن مثل هذا السلوك سيجعلنا ننحنى حتى النهاية.
والإنحناء هو الإذلال الذي لا يتسق مع صفات المؤمنين الذين لا تعرف عقيدتهم الاستكانة أو مقاصة الدين بالدنية، واستبدال الإيمان بالضعف والخذلان.
 ونذكر بأن أهل السودان عندما واجهوا غائلات العداء، وفتحوا صدورهم لفيض الإيمان، لم يمسهم سوء، وانقلبوا بفضل من الله ورضوان، ولكن عندما تسرب إليهم الأمل بأن اللين مع الباطل يمكن أن يكسبهم حقاً ويرد عنهم كيداً، انهمرت عليهم قوى الظلم بقضها وقضيضها، بعضها يمنيهم الأماني وبعضها يرفع العصا والآخر يضغط من كل اتجاه، ولا أرد كل الانبعاجات التي حدثت ومازالت في طريقها الى الحدوث، إلا الى ما نسميه الضرورات التي تقتضي الانحناء للعاصفة، ومازلنا ننحني لمثل تلك العواصف، دون أن يقر لنا قرار، أو نستمتع بأي قدرٍ من الاستقرار. ولقد آن أن نعود مرة أخرى إلى هتافنا وشعارنا الأول بأن قسماً قسماً لن نرجع ولغير الله لن نركع، ولا انحناء ولا سجود، إلا لله رب العالمين.
 وما ظهر في هذه الأيام من احتجاجات ومطالبات من فئة من الشباب وطيف آخر من الشعب، لم يحدث إلا بعد أن انكشف الظهر وظهر الفساد وضعفت القيادات، مما يدعو إلى ضرورة العودة للسيرة الأولى، وإلى طهارة اليد، إذ لا يجابه التحدي ولا يكمل المشوار إلا أهل العزم والمبدأ من الرجال.    

Who's Online

1569 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search