كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

صورة (شائهة).. لأكل المحليات أموال الناس بالباطل

الأسبوع الفائت، فاجأتني زوجتي في الصباح الباكر بإيصال (طويل وعريض) من محلية كرري عبر الوحدة الإدارية مدون فيه عوائد الشهر ومتأخرات عوائد عن العام 2017م، ولم نرَ (خِلقة) متحصلة العوائد من قبل، حتى تكون علينا متأخرات.
وقبل أن نلج لتفنيد موضوعنا، لابد من معرفة الحكم الشرعي فيه، والحقوق التي كفلها الإسلام للمواطن على من يتولى أمره، وقد حذر رسولنا صلى الله عليه وسلم، من أن يُشق على أمته في حديث السيدة عائشة، رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ فِى بَيْتِى هَذَا (اللَّهُمَّ مَنْ وُلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وُلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ). أخرجه الإمام مسلم.
أهم هذه الحقوق تتمثل في:
> حق الحياة ومنع الاعتداء عليه في نفسه ودمه، وضمان ما يحفظ عليه حياته من غذاء ودواء وكساء ونحو ذلك، ومنع الاعتداء عليه في عرضه وشرفه وسمعته. 
> حق التملُّك للمال بكسبه من أوجهه المشروعة وإنفاقه في الأوجه المشروعة، ومنع الاعتداء على ماله وأخذه بغير وجه حق، سواء من الحاكم أو من أفراد الرعية.
>  حق التعبُّد وإظهار شعائر الدين، وكفل لغير المسلم حق الاعتقاد وحق العبادة مع ضوابط معينة متعلقة بمنع إظهار شعائر الكفر في بلاد المسلمين
>  حق الحرية، فيمنع تقييد حرية الشخص في القول والفعل والتصرف، إلا ما عارض مبادئ الشرع
> حق التعليم والتثقيف بما هو واجب، وهذا الواجب تقوم به الدولة، ممثلاً في التعليم الديني وغيره مما يفيد المجتمع
> حق اختيار الحاكم وعزله وفقاً للضوابط الشرعية مع بذل النصح، ويجب على الحاكم العمل بالشورى والعمل وفق الشريعة الإسلامية. 
وما يهمنا هنا، الفقرة الثانية حق تملك المال وعدم الاعتداء عليه بغير وجه حق، وما أكثر الاعتداءات الجائرة بالباطل على أموال الناس! وهنا أوضح بعض تلك الصور لأكل أموال الناس بالباطل، على مرأى ومسمع من مجمع فقهنا الإسلامي، الذي من واجبه كبح جماع الدولة عن تلك الممارسات التي تصل لدرجة الحرمة.
>  وأبدأها بما أثار حفيظتي موضوع عوائد المنازل، حيث سلطت المحليات فتيات يجبن الأزقة طارقات للأبواب لجمع عوائد العتب. ما هو أًصل تلك العوائد وعلى أي وجه حق تؤخذ من إنسان تملَّك منزلاً بحر ماله، وشيده بدم قلبه، لتجيء السلطات المحلية وتأخذ منه (عتب)!!
وبغض النظر عن مشروعية الإجراء من عدمها، ألم تضع تلك الدولة حالات استثنت فيها بعض الأِشخاص من تلك العوائد، مثل ساكني منازل (الجالوص، والمعاشيين، والمنازل الحكومية)؟ فأنا مثلاً أحد معاشيي القوات المسلحة خدمت الدولة (21) عاماً، منها (16) بأربع وحدات عسكرية، و (5) أعوام مدنياً بمؤسسة الأشغال العسكرية. فهل بعد تقاعدي للمعاش تجيء المحلية لتطلب مني عتب منزل؟ بغض النظر عن إعفاء فرع القضاء العسكري لمعاشيي القوات المسلحة من العوائد، وقرار السيد رئيس الجمهورية القاضي بذلك، بعد كل سنين التضحية هذه، أنا من أستحق أن تدفعوا لي، أم أظل أضحي بمالي بعد أن ضحيت بسنين عمري خدمة للوطن؟!
>  صورة أخرى لأكل أموال الناس بالباطل، تلك المبالغ التي تُدفع لإيجار عداد الكهرباء مقدماً كل شهر، مع العلم أن المواطن قد دفع ثمن هذا العداد، بل وعمود الكهرباء، عداً نقداً قبل توصيل الكهرباء لمنزله، وبهذا يصير العمود والعداد ملكاً لصاحب المنزل، فكيف يدفع عليه أجره وهو سلفاً اشتراه؟!. نرجو سماع رأي فقهي في ذلك، وقد وردت من قبل فتوى بأن هذا المال الذي تـأخذه هيئة الكهرباء ربا، ولكن الأمر تم تعويمه، ومن ثم ذاب كفص ملح.
>  أيضاً من طرق الدفع غير المقبولة، وضع ماكينات تحصيل بالشوارع العامة، حتى لا تكاد تجد موضع شبر يصلح موقفاً لعربات المواطنين’ إلا وتجد فيه ماكينة مكتوب عليها موقف خاضع للدفع!. إذا سلمنا جدلاً أن المواقف المسورة وبها حراسة أمنية تحافظ على السيارات تستحق دفع قيمة لذلك، فما بال الشوارع العامة تؤخذ عليها رسوم وقوف؟! وأين يوقف المواطنون سياراتهم؟ أم يجوبوا بها وسط الأسواق ويقتحموا أسوار المساجد؟!
> أيضاً صورة أخرى غير حضارية ولا منطقية، تلك الصناديق التي توضع في محطات المواصلات العامة وبها مكبر صوت به تسجيل يستجدي المواطنين بدفع مبالغ لصالح جمعية القرآن الكريم أو الزكاة صدقة للوالدين وتطهيراً للأموال، وكأنها ملوثة بغسيل الأموال أو من كسب حرام!!
جمعية القرآن الكريم، بمسماها الظاهر يجب أن تتبع للأوقاف، والتي لديها من الأموال ما يكفي لتسيير عملها ويزيد. أو فلتكن تبعيتها الى ديوان الزكاه، وهو الآخر مصدر التمويل وليس يحتاج تميلاً من جهة.
>  أيضاً ضمن الملاحظات، تلك العربات الضخمة التي هي عبارة عن معمل متحرك لنقل الدم، أيضاً يتم إيقافها في الأسواق وبجوار الجامعات للتبرع بالدم. أولاً لا توجد دقة في تحري المتبرعين، ثانياً لصالح من يذهب هذا الدم المُتبرع به؟ ونحن نشاهد ونسمع ما من مريض دخل إحدى المستشفيات ويحتاج لنقل دم، إلا وطُلب من أهله جلب دم، ليقوموا بطريقتهم بالبحث عن متبرعين من أهله. ولم نسمع أن بنوك الدم الحكومية صرفت قطرة دم واحدة لمريض مجاناً!.
>  وثمة صورة مماثلة لسابقاتها، هي قفل كل الحدائق العامة، وتسويرها وتحديثها، ليتم الدخول إليها بتذاكر، فضلاً عن ما بداخلها من ألعاب للأطفال مدفوعة القيمة. بعض هذه الحدائق، كانت تُسمى حدائق الشعب، ولكن الآن تسمى حدائق الحكومة، لأن الشعب لا يستطيع ارتيادها مجاناً.
>  وخزة أخيرة
نرجو إعادة النظر في عوائد المنازل، خاصة تلك الفئة من محدودي الدخل في الأطراف النائية، مع حصر المعاشيين بالأحياء حتى لا يتعرضوا لمضايقة متحصلي العوائد، لأنهم دفعوا عوائدهم تضحية بسني أعمارهم، بل من دمائهم الغالية.. كفى دفعاً!!..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search