كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

التعليم في بلادي..الحرص على الجباية والمضمون حكاية!!

ونحن في بداية عام تعليمي جديد، ننكأ الجراح، بل نضع المِبضع على مكان (الوجعة)، عسى ولعل الحال ينصلح، وننتشل باقي الأجيال القادمة من الضياع، لأن ما نراه، بل ونعايشه الآن لحال التعليم في بلادي، وهو يتردى إلى الأسفل، قد يأتي يوم ونقول كان في السودان (تعليم واليوم تأليم)!!..
إذا نظرنا إلى بداية التعليم في السودان، كانت بنشأة الخلاوى، حيث أول ظهور لها أثناء حكم الشيخ (عجيب المانجلك) عام 1570م، ثم دخل التعليم الحديث، فكان افتتاح أول مدرسة نظامية حديثة في الخرطوم في العهد التركي المصري سنة 1855 م لتعليم أبناء الموظفين الأتراك تحت إشراف رفاعة رافع الطهطاوي إبَّان نفيه إلى السودان.
وفي عام 1863م فُتحت أول خمس مدارس في عواصم المديريات، وكانت تسير على المنهج المصري والهيكلة البريطانية، وسار أمر التعليم على ذلك الحال، رغم إدخال الحكومات الوطنية المتعاقبة بعض التغييرات لتحقيق أهدافها ومواكبة التطور في البلاد وظروفها المتغيرة، إلى أن جاءت حكومة جعفر محمد نميري التي استولت على السلطة في العام 1969م، ورأت أن نظام التعليم المعمول به لا يلبي احتياجات التنمية الاجتماعية والاقتصادية بشكل كافٍ، فاقترحت إعادة هيكلة السلم التعليمي، فتم عقد مؤتمر قومي للتعليم في نفس عام توليه السلطة، واستمرت إعادة الهيكلة طيلة عقد السبعينيات، إلى أن اكتمل السلم التعليمي الجديد.
ولو نظرنا إلى السلم التعليمي، نجده مرَّ بعدة مراحل، تم فيها تغييره، ولا يزال يترنح.
فأول تغيير للسلم التعليمي أشرف على إعداده الدكتور محي الدين صابر وزير التربية والتعليم آنذاك، (ومدير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) ، وكان يتكون من:
• مرحلة ابتدائية لمدة ست سنوات
• مرحلة ثانوية عامة بمثابة مدرسة إعدادية لمدة ثلاث سنوات
• مرحلة ثانوية لثلاث سنوات.
ثم جاء التغيير الثاني للسلم التعليمي ويتكون من ثلاثة مستويات:
• المستوى الأول، هو مرحلة التعليم ما قبل المدرسي، ويتكون من رياض الأطفال، ومراكز الرعاية النهارية للأطفال (الحضانة)، ويتم تسجيل الأطفال فيه ابتداء من سن الثالثة أو الرابعة وحتى سن السادسة، ومدة هذه المرحلة سنة أو سنتين حسب رغبة أولياء الأمر.
• المستوى الثاني، وهو مرحلة الأساس، وتبدأ بالصف الأول في سن 6-7. وحتى الصف الثامن، ويتزايد حجم المادة التعليمية والموضوعات الأكاديمية فيها سنوياً، ومعها يتضاعف الجهد المبذول لاستيعابها والتفاعل معها، تمشياً مع النمو الذهني والجسماني للتلميذ والتلميذة. وعندما يبلغ أي منهما سن 13-14، يكون قد تهيَّأ للجلوس لشهادة امتحان دخول المدرسة الثانوية.
• المستوى الثالث، مرحلة المدرسة الثانوية المتعددة التخصصات والمجالات والموحدة الشهادت (أكاديمي، فني، ديني). يحتوي هذا المستوى من الدراسة على أساليب دراسية أكثر تطوراً، إضافة إلى بعض المواد الأكاديمية الرئيسة مثل علوم الكيمياء والأحياء والفيزياء والجغرافيا وغيرها. وتمتد الدراسة فيه إلى ثلاث سنوات وتتراوح أعمار الطلبة ما بين 14-15 إلى 17- 18 عاماً.
وإلى جانب هذه الأنواع من المدارس، توجد معاهد ومدارس أخرى حكومية موازية للسلم التعليمي النظامي الرسمي، مثل المعاهد الدينية والحرفية والصناعية ومراكز التدريب المهني.
ازدهر التعليم إبان تولي معهد بخت الرضا لأمر المناهج، والذي كان دوره ينصب في تطوير التعليم في السودان بنشأة الفكرة وتبلورها بعمق في عملية تطوير التعليم وتدريب المعلم، وكان يخرج 60 معلماً للمدارس الأولية و60 من فرعه بشندي و60 من فرعه بالدلنج و30 من فرع مريدي. بالإضافة إلى 100 معلم للمرحلة الوسطى سنوياً.
ولكن إذا نظرنا لحال التعليم اليوم في بلادي، والذي صار فيها السلم التعليمي (يصعد الى أسفل)، ولسان حاله يقول، كل عام ترذلون، حيث التركيز على الكم وليس الكيف. 
نعم.. انتشرت المدارس والجامعات في المركز والولايات، ولكن؟!!! ما هو المنتوج الذي يتخرج به الطالب؟ هل هو ذاك ما نراه من الخواء الفكري والتحصيل الأكاديمي المتدني، حيث وصل مرحلة طالب جامعي يكتب اسمه خطأ، وطالب ثانوي عالي، لا يقرأ آية واحدة من كتاب الله مجوَّدة، وطالب أساس لا يقرأ سطراً واحداً قراءة صحيحة، إلا من رحم ربي!!. هذا هو ما نعايشه اليوم.
إذن.. أين يكمن الداء؟ الداء يكمن في التخبُّط في إعداد المناهج والتي صار فيها (العيش لا يُعطى لخبازه) والمعهد الذي كان يتولى أمر التعليم، أنَّثوه (جامعة بخت الرضا)، فانفرط عقد التعليم، وصار عبارة عن حقل تجارب لأولي الحظوة من غير هدى ولا كتاب منير!!.
وثالثة الأثافي، هو ذاك المعلم الذي كان يُخرَّج مؤهلاً من معهد بخت الرضا وفروعه، أما الآن، فحدِّث ولاحرج!!.
التعليم في بلادي صار جباية دون رعاية، خاصة تعليم الأساس والثانوي، وهم جُل مدراء المدارس كيف يتحصلون على مبالغ من الطلاب تحت مسميات ما أنزل الله بها من سلطان. وكم من مدرسة زرتها بنفسي، فما دلفت إلى مكتب مدير، إلا ووجدت كراسة التحصيل بين يديه، والسوط أمامه لعقوبة من لا يأتي بالمبلغ المطلوب.
وخزة أخيرة:
إذن.. فيما يكمن الحل؟! 
الحل عندي.. إذا أردتم إعادة التعليم إلى سيرته الأولى: 
> أجمعوا كل من تخرجوا في معاهد بخت الرضا سابقاً، وأوكلوا لهم أمر إعداد سلم تعليمي يواكب حال البلد، ومن قبله مناهج مُنقحة تناسب عقول الطلاب وتراعيها في المراحل التعليمية المختلفة.
> اهتموا بتأهيل المعلم نفسه أكاديمياً، فضلاً عن وضعه المادي.
>  أعدوا بيئة مدرسية معافاة تصلح لاستقبال الطلاب.
>  والأهم.. المتابعة الإشرافية بالتفتيش الإداري للمدارس أسبوعياً للوقوف على حال ومآل التعليم.
 

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

847 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search