كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

الأضحية..بين العادة والعبادة

لم يشرع الإسلام شيئاً، إلا لحكمة بالغة وهدف نبيل‏,‏ فما من عبادة أو شعيرة شُرعت في الإسلام، إلا وكان الهدف الأسمى منها هو التقرُّب إلى الله تعالى، وزيادة درجة التقوى والإيمان، لتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع. 
 وهكذا يجب أن تكون حياة المسلم كلها لله رب العالمين, قال تعالى:" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ"الأنعام (162-163).
ومن نفحات الله وفضله على عباده، أن جعل لهم مواسم يتقربون إليه فيها بعبادات متنوعة, ليزدادوا قرباً وعطاءً وأنساً به سبحانه, ومن تلك الأوقات المخصوصة بمزيد رحمة وإحسان، العشر الأوائل من ذي الحجة التي أقسم الله تعالى بها:
"وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ" :الفجر (1-2) وقال فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم:(ما العمل في أيام أفضل منها في هذه. قالوا ولا الجهاد ؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) أخرجه الإمام البخاري
 ولذا يستحب التقرب إلي الله في هذه الأيام المباركات بجميع الوسائل، إذ الثواب فيها مضاعف. 
ومن هذه الوسائل التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، نعيش هذه الأيام نفحات أيام النحر الأضحية. فالمقصود بالأضحية والحكمة من مشروعيتها، أنها إحياءٌ لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين أمره الله عزَّ وجلَّ بذبح الفداء عن ولده إسماعيل عليه الصلاة والسلام في يوم النحر.
كما أن الأُضْحِيَّة دليلٌ على التصديق المطلق والتام بما أخبر به الله عزَّ وجلَّ، وشاهدٌ على صدقِ إيمان العبد بالله، وسرعةِ امتثاله لما يحبُّه ويرضاه. وشكر لله تعالى على نعمة الحياة، فضلاً عن حلولها في الأيام الفاضلة العشر الأوائل من ذي الحجة، لاغتنامها في للعمل الصالح.
كما تشتمل الأضحية على معانٍ جليلة وحكم قيمة; منها: التشبُّه بالحجاج حين ينحرون هديهم في فريضة الحج, سواء على وجه الوجوب للمتمتع والقارن، أو على الاستحباب للمفرد. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:(ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم. إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها, وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض. فطيِّبوا بها نفساً).أخرجه الترمذي.
ومن حكمة الأضحية أيضاً، توسعة على النفس والأهل والمساكين، وصلةٌ للرحم، وإكرامٌ للضَّيف، وتودُّدٌ للجار، وصدقةٌ للفقير، وفيها تحدُّثٌ بنعمة الله تعالى على العبد.
وثمَّة حكمة عظيمة لشعيرة الأُضْحِيَّة، يتعلم المؤمن من خلال فعلها الصبر. فكلما تذكر صبرَ إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإيثارَهما طاعةَ الله تعالى ومحبتَه على محبة النفس والولد، كان ذلك كلُّه دافعاً إلى إحسان الظن بالله، وأنه تولدُ المنحةُ من رحِمِ المحنَةِ، وأن الصبر سبب العطاء ورفعِ البلاء.
وأي محنة هي أكبر من تلك التي ابتلى الله بها خليله سيدنا إبراهيم بأن يذبح فلذة كبده؟! ولكن ما أعظم صبر الوالد على هذا البلاء، وما أعظم طاعة الابن لوالده بوفاء!!
فلندلف إلى ذلك الموقف، ونرى التصوير القرآني له بعبارات هي غاية في البلاغة والتوصيف الدقيق لتوصيل الرسالة.
قال تعالى:"فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" الصافات: (102)
أولاً هذا الغلام، جاءت فتنة الامتحان به، في سن هي التي ينتظرها كل أب ليبلغها ابنه ليرى نفعه، وهي "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ"، أي شبَّ عن الطوق وكبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويُرجى نفعُه وخيره، فبلغ مع أبيه السعيَ، وصار رفيقًا له في الحياة ومُعيناً. وقد كان إبراهيم (عليه السلام) يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد " فاران " وينظر في أمرهما.
ثم لننظر مخاطبة الأب لابنه بأسلوب عطف وحنان وترجي، مخاطباً أياه بأرق العبارات "يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ"، وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه ، ليجيء الرد من الابن الطائع المتفقه، بنفس التودد والاحترام، في إظهار القبول والرضاء، لأمر رأى أنه ليس من عند والده، وإنما هو من رب السماء. لذا قال" يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ".
نعم.. علم الابن أن رؤيا أباه هي وحي من الخالق الأعظم، كما أخبر بذلك الحديث:
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ( رؤيا الأنبياء في المنام وحي). وصدق، صلوات الله وسلامه عليه، فيما وعد; ولهذا قال الله تعالى : " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً".
بربكم.. قولوا لي ماذا يكون رد الابن لو كان ذلك الموقف في زماننا هذا، الذي يرفع لك فيه الابن عقيرته ويتأفف، مجرد أن تريد إرساله لأمر ما، لإحضاره، فقطعاً سيكون الرد(رؤيا شنو يا حاج أو يا جلكين، دي أوهام سااااكت. لو جابت ليها ضبح بخليك ليك البيت ذاتو)!! أليس كذلك؟!
وخزة أخيرة
ونحن مقبلون بعد (72) ساعة فقط، على إحياء شعيرة الأضحية، والتي تجيء هذا العام، والأمر مختلف تماماً على ما كان عليه في الأعوام السابقة، حيث وصلت الحياة المعيشة أوجها في المعاناة، وبالمقابل، ترفَّع سعر الخروف الى ما كان يمكن شراء (زريبة كاااملة الدسم) به. فلذا لا يجد غلابى وطني، إلا أن يقولوا (ضحى عننا أبو فاطمة)، وعلى الذين يقولون (لو ما الوليدات ديل ما كنا ضحينا)،انصرفت النية للوليدات، وقد خرجت هذه الضحية من العبادة إلى العادة، يعني (كرامة ساااااكت).

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search