كتاب الرأي

حمَّاد حمد محمد

آفـــــة الفساد العقدي

الفساد (Corruption) هو ضد الصلاح، وهو آفة خطيرة استشرى لهيبها، وانتشر داؤها في العالم العربي انتشار النار في الهشيم، وتفشَّى سرطانها في أعصاب الحياة المجتمعية بشتى صورها. ونحن هنا بصدد تناول أبشع وأخطر أنواع الفساد، وهو الفساد العقدي، أي ما يتعلق بتديُّن الإنسان وما يعتقده في الدين والأخلاق.
والشيء الخطير في أمر الفساد العقدي، أنه يؤدي إلى الفوضى, وتكفير المسلمين وإخراجهم من الملة، واستحلال الدماء والأعراض والأموال, ويُقطِّع أوصال المجتمع المسلم, ويخلق الفتن بين المسلمين جراء التناحر والتباغض، وهذا مما يريده الشيطان وحزبه.
وإذا نظرنا إلى الأسباب المؤدية لذلك، نجدها إما نتيجة للإفراط والغلو في الدين، وإما التفريط بالتساهل والانقياد الأعمى، وكلا الحالتين يكون فيهما الجهل وعدم العلم حاضراً.
ولعل فساد الغلو في الدين أشد خطراً، لأن المتطرفين ينتهجون أسلوب رمي المسلمين بالشرك وفساد العقيدة، وتكفيرهم. وقد قال المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه في معنى الحديث:(أيّما امرئ قال لأخيه: يا كافر, فقد باء بها أحدهما. إن كان كما قال؛ وإلا رجعتْ عليه). وفي رواية: (لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق, ولا يرميه بالكفر؛ إلا ارتدت عليه, إن لم يكن صاحبه كذلك). وفي رواية أخرى: (من لعن مؤمناً؛ فهو كقتله, ومن قذف مؤمناً بكفر؛ فهو كقتله).
ولما قال عابد بني إسرائيل لفاجرهم: (والله لا يغفر الله لك أبداً) قال تعالى: كما في الحديث القدسي: "من ذا الذي يتآلَّى عليّ؟ هل كنتَ بي عالماً؟ أم كنتَ على ما في يدي قادراً؟ اذهبوا به – أي بالرقيع- إلى الجنة, وبهذا – أي العابد المتجرئ على الله- إلى النار” فقال أبو هريرة: قال كلمة أَوْبقتْ دنياه وآخرته.
فأين الحرص على هداية الخلْق أولاً، والسعي إلى تبليغهم دين الله، وإزالة الشبهات عنهم، لهدايتهم لا للتسرع في إلقاء الأحكام عليهم جزافاً؟ وأين التلطُّف في الدعوة، وعدم إعانة شياطين الجن والإنس عليهم؟ أين هذا كله، قبل الاندفاع إلى تكفير المسلمين، والحكم بخروجهم من ملة الإسلام؟. هل هذا هو نهج المصطفى صلوات ربي عليه وسلامه في تبليغ دعوته؟.
فإن مسألة التكفير، هي من المسائل العظيمة التي زلت فيها أقدام, وضلت فيها أفهام، وطاشت فيها أقلام, فأصبح من ينصبون أنفسهم حماة العقيدة وحملة مشعل العلم - وهو منهم براء - لا يتورعون عن تكفير من خالفهم؛ لأدنى شبهة سواء أكانت على المستوى الفردي, أم الجماعي ..!!
لا يجــوز تكفيــر المسلــم بالأمــور المحتملــة للكفــر وغيــره، وهي تلك الأقوال والأفعال التي لا تدل على الكفر صراحة ولكنها تحتمل الكفر وغيره ومثال ذلك السجود فإنه قد يكون بقصد العبادة لمن يُعتقد فيه صفات الربوبية والإلوهية وهذا صرفه لله وحده عبادة وتوحيد، وصرفه لغير الله كفر وشرك أكبر وقد يكون السجود بقصد التكريم والتعظيم كالسجود للأنبياء والملوك والعلماء وقد سجدت الملائكة لآدم عليه السلام سجود تكريم، وكان هذا جائزاً في شرع من قبلنا ثم حُرّم في شرعنا فمن أتى به فقد أتى بمعصية ولم يأتِ بما هو كفر أكبر مخرج من الملة وهذه الأمور المحتملة لا يجوز تكفير فاعلها حتى يتبين القصد الشرعي لفاعلها.
وثمة مسائل يجب مراعاتها في مسألة التكفير:
> فالعذر بالجهل يمنع مـن تكفيــر المسلــم، والدليل على عذره قوله تعالى: "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" والمعنى أن من خالف الرسول من بعد المعرفة والبيان يصيبه العذاب ولا فرق في العذر بالجهل بين أصول وفروع، فكل مسلم لم تبلغه الحُجة الرسالية في أمر ما، فتلبس بالكفر فيه فلا يوصف بالكفر الأكبر حتى تُقام عليه الحجة بالعلم وإن ثبت تقصيره في طلب العلم فإنه يأثم ويُعّذر.
> أيضاً العــذر بالتأويـل مانــع مـن تكفيــر المسلــم المتلبــس بالكفــر بشرط أن يكون منشأه من القصور في فهم الأدلة دون تعمد المخالفة الشرعية وبشرط أن يكون القصد منه موافقة الشريعة وبشرط أن يكون له وجه مستساغ وإن كان فهمه خطأ فهذا يُعذر صاحبه بالتأويل وإن تلبس بالكفر فلا يكفر حتى تُقام عليه الحُجة التي يكفر تاركها ومثاله غالب الفرق الضالة الداخلة في إطار أمة الإسلام دون الغلاة وقد تضافرت الأدلة على عذر المتأول ومن ذلك قوله تعالى: "وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ" وقوله تعالى وهو يأمر المؤمنين بهذا الدعاء: "رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" وجاء في صحيح مسلم في تفسير الآية أن الله تعالى قال قد فعلت فهذه الرحمة تتناول إن شاء الله تعالى أهل التأويل لأنهم داخلون في الخطأ وعدم تعمد المخالفة.
> عدم أَخْذ كلام الرجل جميعه, وحَمْل بعضه على بعض لمعرفة حقيقة قوله، قبْل تحميله ما لم يدُرْ بخَلَده من عقائد ومقالات.
> نسبة القول المنسوخ أو الخطأ إلى الرجل مع العلم بتراجعه عنه.
> إغفال القرائن التي تحف الكلام فتزيل مشكله, وتوضح غامضه, سواء أكان ذلك في السياق والسباق واللحاق، الذي لا يتجرد عنه كلام العقلاء، أو كان ذلك مما لا يُفْهَم إلا من خلال معرفة المنهج العام للرجل في غير هذا الموضع المشْكِل الموهِم، فالكلمة الواحدة يقولها رجلان, فتكون ذَمًّا في حق أحدهما, ومدحاً في حق الآخر, باعتبار منهجه العام الذي يسير عليه.
ومن ذلك، ما حكمت به جماعة الغلو في الدين على العلامة الشيخ البرعي بالكفر بأن اتخذ إلهاً غير الله في قصيدته (بوريك طبك)، حيث يقول:
بوريك طبك أحسن فيمن عاداك ومن يحبك أذكر إلهك يوت
من جهلهم يقولون إن للبرعي إلهاً اسمه (يوت)! وكلمة (يوت) عندنا في كردفان، تعني دائماً. يعني اذكر إلهك على كل حال.
وكيف يكون له إله وهو يقول:( لا تنـــــــــس ربــــــك)؟ ويقول:( إن رُمتَ من خَلاقَك يرضى عنك)؟ وهل من خالق غير الله؟! فهل يعقل أن يقول الشيخ البرعي أن الذي خلقه غير الله؟! مالكم كيف تحكمون؟!
لا تنـــــــــس ربــــــك أكــثـــــر لـــذكر الموت تلقابو طِبــَك
إن رُمتَ من خَلاقَك يرضى عنك لأحِبَتك وأعــــــــــــدَاك كن بيضا سنك
ونفس الشيء ينسحب على قصيدة (مصر المؤمنة بأهل الله) أي بدعاء أهل الله. ومن يدعون غير الله الخالق؟!
> إطلاق الحكم على الجميع لخطأ فرد من جماعة أو طائفة، دون النظر إلى موقع هذا المخطئ في هذه الطائفة؟ وهل هذا قول كبارها وأئمتها، أم قول أحد علمائها، أو مجرد أحد أفرادها؟
وخزة أخيرة:
مَنْ ثَبَتَ إسلامه بيقين؛ فلا يزول عنه إلا بيقين, وإلا كان تركاً لليقين وعملاً بالشك، وهذا مُعيب عند العقلاء، فضلاً عن العلماء.
والأدلة التي سبقت في عدم إخراج المسلم من الإسلام لمجرد إتيانه بمُكفِّر لوجود شبهة تمنع تكفيره داخلة في هذا الأصل أيضاً.
وقد يُعبِّر بعضهم عن ذلك بقولهم: لا تكفير من الاحتمال أو الشبهة, ولأن التكفير بأمر يحتمل التكفير وغيره: جُرْأَة في أمر يجب فيه التورع والأخْذ بالأحوط, فالأحكام في الدنيا تجري على الظاهر للعِبَاد، والله يتولى السرائر والله أعلم.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

687 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search