mlogo

كتاب الرأي

المقالات

جدلية الشريعة والعلمانية!!

السياسة والتوجهات الأيدلوجية تعصف بأهداف ثورة الشباب السوداني التي تمثلت في الاحتجاجات على قضايا حياتية متعلقة بالمعاش.. والآن مشروع التحديث الذي يتبنى العلمانية منهجاً صاغته أدبيات فلسفية وسياسية غربية حتى غدت العلمانية مطلباً أساسياً لبناء الدولة القومية الحديثة التي تم تصديرها بواسطة المستعمر الذي من ضمن مفاهيمه الأولية فصل الدين عن الدولة إلى المجتمعات المسلمة التي استعمرها.. ولكن اصطدم مسار الدولة الحديثة على أسس علمانية بالمجتمعات المسلمة التي فيها يصعب عزل القبلية والعقيدة عن توجيه السلطة السياسية وتدبير الشأن العام وفي حقبة الصحوة الإسلامية صار النموذج العلماني للدولة محل شك ومساءلة ونقد على مستوى جدواه وملاءمته للخصوصات الحياتية في المجتمع الإسلامي وعليه علاقة الدين بالسياسة مصدر صراع الران في بلورت الدولة الحديثة وثمة تفاوت في مفاهيم الجماعات الإسلامية في التعامل مع العلمانية حيث ترى الغالبية أن تأثيرها سالب على عقائدها التأسيسية المشكلة للدولة الإسلامية القائمة على تجربة تاريخية لم تخضع لدراسة متماهية مع الحاضر الماثل إنما مكتفية بمبادئ توجيهية اجتماعية خالية من تناول تعقيدات الراهن الاقتصادي والثقافي التي تداخل مع ثقافة البيئة المحلية وعليه وقفت المصادر الفقهية عند حدية عدم فصل الديني عن الدنيوي في الحكم والسياسة ومعلوم بالضرورة أن الإسلام يعد مرجعية فكرية وأخلاقية وتشريعية للعقل السياسي في منطقة النفوذ الإسلامي التاريخي.. أما الحاصل في السودان الآن الذي يعايش هذه الأيام أحد مفاصل التغيير السياسي المتتابعة عقب كل انتفاضة شعبية على حقبة حكم عسكري ديكتاتوري ولكن هذه المرة جاءت الانتفاضة على حكم كانت الحركة الإسلامية ملتحمة فيه وتمتعت في ظله بسلطة مادية ومعنوية هائلة قد عمدت في البداية على تعبئة المجتمع نحو مشروع حضاري بدأ بالجهاد وانتهى ببعض الإنجازات التنموية أبطلها استخراج البترول وبعض التعاملات التجارية العالمية خارج المنظومة العالمية المقننة وربما هذا النشاط مع الحصار الاقتصادي ولد بعض التشوهات انتهت بمفاسد عظمى تفاصيل دواعيها تحتاج لدراسة مفصلة نفسية واجتماعية لم يتم حتى الآن إفراد عمل بحثي محايد موصل لحقيقة وقوع الجماعة الإسلامية في هذا العمل الذي أوقعها في مكب نفايات يصعب تدويرها للخروج من المأزق وخاصة أن التجريف الاجتماعي العميق الذي خلفه الفساد الاقتصادي غير المسبوق يزيد الأمر تعقيداً. ولكن بنظرة أولية ربما الأطماع الشخصية تعد العامل الرئيس في الوقوع في تلك المفسدة كما أن تيارات التنافس الداخلي أحدثت استقطابات داخلية عمدت للتأثير على الدولة باتباع أساليب غير قانونية وهذا التسبب تسبب في سخط شبابي واسع حتى صار مصطلح (كوز) رهين شاخص المفسدة والثراء والحرام وقد عملت الدعاية السوداء على تشخيص صورة (الكوز) وفق صورة ذهنية وهذه الحالة كان لها خصوصية في دولة السودان وعليه مجموعة نصرة الشريعة الإسلامية تحت قيادة بعض الدعاة يلزمها إدراك صعوبة المهمة التي من أجلها خرجوا لمواجهة سطوة تيار إعلان الحرية والتغيير المتوازي خلف اعتصام الشباب الواقف عند حد رؤية نهاية (للكيزان) وهذا رفع الحرج عن مجموعة إعلان الحرية وعليه ليسوا في حاجة لمراهنة المظاهر الدينية التي عناصرها الآن دون فرز في قفص الاتهام أمام ثورة الشباب.. وهذا الفهم بقدر ما سهل المهمة على اليسار إلا أنه أيضاً محل تعليق المهام التي يسعى نحوها اليسار أهمها محاولة إبعاد الدين عن المعادلة السياسية وهذا قد تظهره الأيام القادمة وعندها يبدأ العد التنازلي لليسار فالحقبة الانتقالية إذا تناولت الزينة الروحية ونشر التعليم الديني ومؤسسات الافتاء والحسبة والرقابة الشرعية تأتي محاولة في هذا الاتجاه توضح ما تسعى عناصر اليسار لاخفائه ولا يبقى أمامهم غير حكم ديكتاتوري آخر قادر على تجاوز منابر الوعي الجماهيري التي بلا شك سوف تتغلب بسهولة على الفلسفة الحداثية التي يتبناها اليسار بحذاقة.

Who's Online

1036 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search