كتاب الرأي

تيسير حسين النور

لا حزن لا بكاء لا تأبين

> كان يقول عن مهنة الكاتب التي احترفها إنها "ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة..
> ذلك هو الأديب السوري الراحل حنا مينة؛ الذي كافح كثيراً في بداية حياته، وعمل حلاقاً وحمّالاً في ميناء اللاذقية، ثم بحاراً على السفن والمراكب، واشتغل في مهن كثيرة أخرى منها تصليح الدراجات، ومربي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية! ويتساءل في مقابلاته إنه لا يدري من أين جاءت الكتابة إليه ؟.
> وهو أيضاً قد وقف في وجه الاستعمار الفرنسي وعمره 12 عاماً، وعاش حياة قاسية، وتنقل بين عدة بلدان، وسافر إلى أوروبا ثم إلى الصين لسنوات، لكنه عاد.
> و في عالم الكتابة كما حكى عن نفسه تدرج من كتابة العرائض للحكومة، ثم كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان، ثم تطور إلى كتابة المقالات الكبيرة والقصص القصيرة، وأرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية في دمشق بعد استقلال سوريا، وفي عام1947 م استقر به الحال بالعاصمة دمشق، وعمل في جريدة "الإنشاء" الدمشقية حتى أصبح رئيس تحريرها.
> قبل رحيله بسنوات طويلة وتحديداً عام 2008 كتب حنا مينه وصيته، ونشرتها جريدة (الثورة السورية)، ومما جاء فيها «أنا حنا بن سليم حنا مينه، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلًا حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه «لكل أجل كتاب».
> لقد كنت سعيدًا جدًا في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين.
> عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطًا في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطًا في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعًا، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية.
> كل ما فعلته في حياتي معروفٌ، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي. وقال أيضاً: أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يَدَعوا نعشي، محمولًا من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب عليّ، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة.
> لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذا التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعًا، أن تريحوا عظامي منه.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search