كتاب الرأي

بروفيسور عبده مختــار

الفقـــــر ... الفقــــــر ! (4 - 5)

ثم تناولتُ تعريف الفقر وأنواعه وقياسه. وفي هذه الحلقة الأخيرة أشير إلى بعض سياسات الحكومة (محاولاتها) في محاربة الفقر. تناولتُ في الحلقات السابقة من سلسلة مقالات الفقر سؤالاً محورياً هو: لماذا نحن فقراء (رغم أننا أغنياء بالموارد)؟ ثم وضعت كل المسؤولية على النخبة. ثم تناولتُ تعريف الفقر وأنواعه وقياسه. وفي هذه الحلقة الأخيرة أشير إلى بعض سياسات الحكومة (محاولاتها) في محاربة الفقر. الواضح أن الحكومة اتخذت من الزكاة والتمويل الأصغر كأدوات لمحاربة الفقر أو تخفيضه. لكن بما أن العبرة بالنتائج وإزاء الوضع المزري الذي يعيشه المواطن السوداني فيمكن القول إن هذه المؤسسات لم تحقق أهدافها.  ولنقف هنا باختصار على تجربة التمويل الأصغر في السودان، مع إشارة عابرة للزكاة.يمكن القول إن "التمويل الأصغر" يقوم على فلسفة تنطوي على مقاصد اجتماعية وقيم إسلامية والتزامات سياسية ومسؤولية أخلاقية. وبالتالي هو مفهوم يتجاوز علم الاقتصاد لتتداخل معه عدة علوم اجتماعية أخرى. التمويل الأصغر - إذا تم تطبيقه بكفاءة - يمكن أن يشكل إحدى الأدوات المهمة في محاربة أو تخفيف الفقـر. فهـو يرتبط بالاقتصاد والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع (مسح اجتماعي للفقراء) وإدارة الأعمال والإدارة العامة، كما يرتبط بالسياسة العامة للدولة (public policy) وبالنظام المصرفي. أصبح التمويل الأصغر من الموضوعات المهمة لدى الكثير من المنظمات السياسية والاجتماعية لارتباطه بكل الاستراتيجيات التي تهدف إلى مكافحة الفقر. وللتمويل الأصغر عدة مسميات منها تمويل المهنيين، وتمويل الأسر المنتجة وتمويل صغار المنتجين والتمويل متوسط الأجل، وغيرها من المصطلحات. كما أن هنالك رؤى كثيرة تتبناها جهات عديدة كمصارف ومنظمات المجتمع المدني سواء أكانت محلية أو أجنبية. وهنالك القرض الصغير أو القرض التضامني أو الرأس المال الصغير أو السلفيات في مناسبات الأفراح كالزواج و الختان أو مناسبات الأتراح كالموت والمرض والكوارث وغيرها ... آليات معروفة ومتداولة منذ القدم عند أغلب شعوب العالم، بأسماء متعددة وأساليب مختلفة وفقاً للعادات والتقاليد والدين، فالتمويل الأصغر أصبح اليوم من أهم الأدوات والوسائل التي تسهم في تخفيف حدة الفقر.وقد عُـرف التمويل الأصغر في معظم دول العالم على أنه تقديم نطاق واسع من الخدمات المالية في مجالات الائتمان والادخار والإيداع والتأمين والتحويلات وبناء القدرات لذوي الدخول المنخفضة أي الفقراء النشطين اقتصادياً وقد حددت استراتيجية البنك المركزي تعريف عميل التمويل الأصغر بأنه الفقير النشط اقتصادياً الذي له دخل شهري يقل عن ضعف الحد الأدنى للأجور أو يمتلك أصول منتجة قيمتها أقل من عشرة آلاف جنيه فالتمويل الأصغر يعني تقديم قروض صغرى للأسر الفقيرة بهدف مساعدتها في البدء بأنشطة إنتاجية وتنمية مشاريعهم الصغرى، فقد انصب تركيز التمويل الأصغر على تقديم منتج موحد للمعايير (التمويل فقط) ، ولكن الفقراء في حاجة دائماً إلى مجموعة متكاملة من الخدمات المالية التي تمكنهم من بناء الأصول والموجودات وتأمين الاستهلاك وحماية أنفسهم من الصدمات الخارجية.ومع مرور الزمن اتسعت هذه الدائرة لتشمل مزيداً من الخدمات (إقراض وادخار وتأمين وتحويلات.. ولا يستفيد من التمويل بالمؤسسات الرسمية وحدد له السقف التمويلي بعشرة آلاف جنيه كحد أعلى. أيضاً يمكن القول إن التمويل الأصغر هو آلية لتقريب رأس المال للفئات الخارجة عن نطاق اهتمام الجهاز المصرفي والمالي وبالتالي يختلف مفهومه من مؤسسة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر ولكنه يهدف بصورة عامة إلى الاندماج الاقتصادي وتمويل معدات صغيرة ومدخلات للإنتاج وتمويل مستلزمات تؤدي إلى تحسين ظروف العيش.بدأ التمويل الأصغر في السودان في الثمانينيات من القرن العشرين. وهنالك العديد من تجارب التمويل التقليدية مثل الختة، كشف العـزاء، النفير، الجرورة (الاستدانة السلعية من الدكان/البقالة)، المساقاة، الصناديق الخيرية والجمعيات التعاونية الاجتماعية. وتشكل مصادر التمويل التقليدية هذه نوعاً من التكافل الاجتماعي وهو من القيم التي تتسم بها الكثير من المجتمعات التقليدية.  اهتمت السياسة النقدية والتمويلية خلال التسعينيات بتمويل الأسر المنتجة والحرفيين والمهنيين باعتبارها من القطاعات ذات الأولوية في التمويل المصرفي، وتخصيص نسبة 10% من محفظة تمويل البنوك (المصارف) للتمويل الأصغر، ومن ثم رُفِع إلى 12% في عام 2007، وذلك في إطار خطة الدولة التي تهدف لتخفيف حدة الفقر. وللمساهمة في تحقيق ذلك أنشأ بنك السودان (المصرف المركزي) في عام 2007 وحدة متكاملة للإشراف وســن التشريعات ورسم السياسات وتطوير الصيرفة الاجتماعية والتنموية في مجال التمويل الأصغر، وذلك بإقامة مؤسسات وأنشطة فاعلة في هذا الجانب وإزالة الفقــر وسط قطاعات المجتمع ورفع مستوى المعيشة ودفع النشاط الإنتاجي لتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة والشاملة في كل أنحاء الدولة. وظهر إلى حيز الوجود بنك الأسرة وهو أول مؤسسة اقتصادية سودانية متخصصة في مجال التمويل الأصغر ذات توجهات اقتصادية واجتماعية، تأسس في عام 2007، وهو شراكة بين القطاعين العام والخاص برأسمال مكتتب 100 مليون جنيه سوداني ورأسمال مصرح به يبلغ مليار جنيه سوداني. وبحسب خطة البنك الخمسية التي صرح بها الدكتور عبد الرحمن ضرار مدير البنك، أن رؤية عمل البنك هي المساهمة بفاعلية في تقديم خدمات مالية جيدة ومتنوعة ومتاحة للفقراء في مواقعهم مناسبة لظروفهم وتسهم في تحسين معيشتهم وتمكنهم من المساهمة الفاعلة في التنمية.. هذا بالإضافة إلى اهتمام منظمات المجتمع المدني والصناديق الاجتماعية. (نواصل إن شاء الله)

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

499 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search