mlogo

كتاب الرأي

المقالات

السياسة الخارجية من أين نبدأ؟

د. صلاح محمد إبراهيم
بعد فترة طويلة امتدت لعشرات السنوات، تأرجحت فيها السياسة الخارجية بدرجات وقعت فيها فريسة لسياسات أضرت بالمصالح السودانية على كل المستويات الداخلية والخارجية، بسبب حالة العداء وتقمُّص الدولة السودانية لحالة من الوهم والاعتقاد الزائف بمناطحة القوى الكبرى وبعض القوى الإقليمية، لاشك أن هذه السياسة الخارجية تحتاج الآن بعد تشكيل الحكومة الجديدة إلى حركة ماكوكية نشطة وتبني سياسة عقلانية وواقعية بعيدة عن حالة الهوس والخداع التي سارت عليها خلال السنوات الماضية والتي أورثت البلاد حالة من الفقر وجعلتها تبدو متسولة بطريقة مُذلة لا تتناسب مع تاريخ البلاد ومكانتها وإمكانياتها ووضعها الإستراتيجي الذي كان يمكن استثماره بطريقة حكيمة وواقعية وعملية وبراغماتية.
لقد فجرت زيارة وزير الخارجية الألماني للبلاد حالة من الفرح والانتشاء الشعبي الذي عكسته وسائل التواصل الاجتماعي، وذات الأمر تحقق مع وزير الخارجية الفرنسي وربما يأتي وزراء آخرون من كل الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر جيد ويعتبر خطوة متقدمة في بناء علاقات خارجية ذات منافع متبادلة وتجد القبول والترحيب بعودة السودان إلى المجتمع الدولي كعضو مشارك وليس منبوذاً، ولكن في خاتمة المطاف علينا ألا نرفع من سقف التوقعات على الأقل في المستقبل القريب، فالدول الغربية الآن ليس لديها مصالح تجعلها تستعجل في بناء علاقات قوية مع السودان، وهي تعلم أن الوضع الانتقالي في السودان يمر بفترة اختبار وتنتظره ملفات داخلية كثيرة تنتهي بقيام انتخابات بعد الفترة الانتقالية، وهي سوف ترتب أوضاعها وعلاقاتها مع السودان على أساس دعم محدود للفترة الانتقالية، قد تكون في مجالات إنسانية أو تدريب أو دعم منظمات المجتمع المدني، ولكن لن تأتي استثمارات كبيرة منها أو من صناديق دولية تدعمها، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت تتلكأ في ملف رئيس يتعلق برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ملف له تأثيره على علاقات السودان الخارجية.
بناء علاقات مع الدول الغربية قضية مهمة. فنحن نحتاج إليها في نقل المعرفة والعلوم المتقدمة وإعادة تأهيل الجامعات التي تراجعت فيها فرص الابتعاث الخارجي لهذه الدول التي تمتلك نظم تعليمية متقدمة لا نجدها في إقليمنا العربي أو الأفريقي، كما نحتاج إليها في إعادة تأهيل كثير من المشروعات التي تدهورت أو انهارت تماماً، مثل السكة الحديد أو الخطوط الجوية السودانية أو مضاعفة الطاقة الكهربائية، ولكن الكثير من هذه المشروعات وغيرها إذا ما تمت لن يأتي تمويلها من الدول الغربية وفي الغالب سوف يأتي من دول خليجية أو صناديق عربية، ولعل الزيارات المتتالية للوزراء الغربيين إلى السودان ربما تكون استباقاً للحصول على شريحة من التمويل الذي سوف يحصل عليه السودان من بعض الدول.
من المفروض أن تقوم وزارة الخارجية بإعداد دراسة بالتعاون مع الوزارات ذات الصلة حول العون الغربي والعربي الذي حصل عليه السودان من هذه الدول خلال الفترات الديمقراطية منذ الاستقلال، ومن المؤكد أنها ستجد أن أكبر دعم غربي حصل عليه السودان لم يكن خلال فترات الحكم الديمقراطي، فقد حصل حكم الفريق عبود على دعم غربي بسبب رغبة هذه الدول في الابتعاد بالسودان من سياسات عبد الناصر والقومية العربية، كما حصل النميري على تمويل ودعم غير مسبوق في تاريخ السودان من الولايات المتحدة الأمريكية خوفاً من أن يقع في أحضان الشيوعية والاتحاد السوفيتي وتخلصه من قيادات الحزب الشيوعي، فجاءت المعونة الأمريكية ومؤسسات أمريكية كثيرة تقدم المنح والعون للسودان، وقامت الولايات المتحدة بتمويل شراء طائرات البوينج 707 التي كانت تعتبر قفزة كبيرة للخطوط الجوية السودانية.
السياسة الخارجية تقوم على المصالح والتعاون المشترك ولن يساعدك العالم فقط لأنك تملك مؤسسات حكم ديمقراطي وطني مستقلة، فالواقع يقول إن الدول الكبرى هي أكبر داعم للدول غير الديمقراطية التي ترتبط معها بمصالح حيوية، والدول الغربية ليس لها الآن مصالح حيوية تربطها بالسودان، لذلك علينا أن نبحث عن مصالح السودان الحيوية التي يجب أن ترتكز عليها السياسة الخارجية بدلاً عن التهليل والتصفيق لكل زائر وقادم دون أن نعرف الهدف الحقيقي من وراء الزيارة هل هي زيارة علاقات عامة أم جمع معلومات أم توقع لمنافع قادمة في الطريق.
سوف يغادر السيد رئيس الوزراء إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقد يلتقي بالعديد من الشخصيات العالمية وربما يعرج على واشنطن، ولكن عيناه في طريق العودة لابد أن تنتهي في القاهرة والخليج، فهناك تقع مصالح السودان الحيوية، وهناك حساب الربح والخسارة ومن هناك أتت أكبر الاستثمارات والمشاريع الناجحة في السودان، (كنانة نموذجاً)، والكثير من الشركات وصناديق التمويل وتلك هي نقطة البداية الحقيقية والعملية، العلاقات مع الدول الغربية هي مجرد شهادة للسمعة الحسنة في عالم اليوم وهذا أمر مطلوب وجيد ولكن الخزنة ليست في لندن أو باريس أو واشنطن.

Who's Online

632 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search