د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

نتمنى ألا نراها في رمضان ..!!

تظاهرات على الكباري وبأرصفة وشواطئ النيل ، عند المحطات وأمام المحلات .. فما أن يمضي وقت الفطور بقليل ، وقبل أذان وصلاة العشاء تحصل هذه التجمعات ، في هذه الأماكن وأماكن غيرها !!! بل استحدثت بعض الجهات لهذه التجمعات ملاعب مضاءة تكتظ بالشباب في هذا الوقت.. وأكرر : تبدأ هذه التجمعات قبيل صلاة العشاء ..!! وحتى لا يقول لي بعض الزاهدين في وعد الله العظيم .. إن التراويح سنة وليست فريضة .. فإني أقول إن هذه التجمعات قبيل أداء فريضة الله وفي شهر العتق من النار وقبيل صلاة التراويح في شهر التراويح والتهجد !!
للأسف ترى في عدة طرق رئيسة وغير رئيسة في هذا الوقت ــ قبيل صلاة العشاء ــ هذه التجمعات ، مجموعات تسير على الكباري قد اكتظت بهم ،  نساء متبرجات فرادى وجماعات ، وشباب غافل عن ذكر الله مجيب لداعي الهوى ، ومجموعات تعسكر هنا وهناك والمساجد تقام فيها صلاة العشاء والتراويح  ، ومجموعات تلعب كرة القدم ، ومجموعات تجتمع على الشيشة .. وجميعهم يهتفون هتافاً واحداً ــ بلسان الحال ــ أن لا تعظيم لهذا الزمان المبارك ، ولا إجلال لشهر رمضان وإنهم زاهدون بل معرضون عن خيراته وبركاته ، وأن الهوى وملذات النفس تقدم لديهم على توجيهات الرحمن وما نصح به سيد ولد عدنان عليه الصلاة والسلام .. ويعلنون بهتافهم الصامت الذي يدل عليه الفعل والتصرفات ـ والفعل قد يكون أبلغ من القول كما لا يخفى ـ يعلنون أنهم عبيد للشيطان وعبيد لأنفسهم التي تؤزهم على الشر والعصيان أزاً ، يعلنون أنهم في هذا الأمر وهذه الفريضة قد تحرروا من عبودية الله التي خلقهم لأجلها وهربوا بأنفسهم لعبودية أنفسهم وعبودية الشيطان..
هربوا من الرق الذي خلقوا له *** فبلوا برق النفس والشيطان ....
فهذه (التظاهرات) تحمل في طياتها المجاهرة بالعصيان لله الرحمن في شهر رمضان وقد ورد الوعيد الشديد للمجاهرين والمجاهرات بالإعراض والعصيان, فقد قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) متفق عليه.. وهي مجاهرة تنذر بمزيد من العقوبات العامة ونحن في زمان نحن أكثر حاجة لرحمة الله تعالى ..
وإذا كان وقوع هذا النوع من التصرفات من الأمور التي تقع في كل بقاع الدنيا لوجود الهوى والشيطان والنفس الأمارة بالسوء وأصدقاء ورفقاء السوء ، فإنه يجب على جهات كثيرة القيام بالواجب تجاهها .. فإذا كانت شرطة الاحتياطي المركزي – مثلاً - والنجدة والعمليات وغيرها هي الجهات المنوط بها مواجهة المظاهرات ومحاولات الشغب ، فتتولى ذلك وتبرز للمتظاهرين وتقف أمام وجوههم وتقطع طرقهم وإن احتاجت رمتهم بالغاز المسيل للدمع (البنبان) لتفريقهم ، وإن احتاجت استخدمت العصي وغيره .. هدفها إفشال (المظاهرات) وتفريق وتشتيت جمعها ، فتتنوع وسائلها لتحقيق غايتها وهدفها ، ومن خلفها جهات تتابعها وتراقب معها الأوضاع .. ولا يخفى أن الحفاظ على الدين مقدم على الحفاظ على الأنفس والأموال, فالدين هو الضرورة الأولى ويليه النفس ثم العقل ثم العرض والنسل ثم المال .. !!
فما هي يا ترى الجهات التي يجب عليها أن تواجه هذه الجموع (المتظاهرة) في شهر رمضان ؟! ،  هذه الجموع التي تعلن الإعراض عن رحمة الله في شهر القرآن والصيام والتراويح ، تلك إنها الجموع المقاطعة للمساجد والتراويح في ليالي شهر رمضان!
من يا ترى هي الجهات التي تتصدى لهؤلاء المتظاهرين بالحسنى ؟! ، وتأخذ بأيديهم وتسعى لإنقاذهم مما هم فيه ؟! مع استصحاب الرفق واللين لدلالة هؤلاء إلى ما فيه الخير لهم ؟! ومن هي الجهات التي تسهم في زيادة هذه (التظاهرات) ؟! وما هي الجهات التي ترعى تلك الملاعب المضاءة التي تضاء قبل صلاة العشاء وتكتظ باللاعبين في وقت صلاة فريضة العشاء في رمضان ؟! ولماذا لا تؤخر فتحها حتى نهاية وقت صلاة التراويح ؟!
تأملت هذا النوع من (التظاهرات) فهالني الأمر!! وذلك لعلمي أن نصح هؤلاء المعرضين والغافلين وتحذيرهم وتخويفهم من (الواجب الكفائي) الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين وإن لم يقم به أحد (أثم الجميع) ، فاللهم رحماك رحماك .. وأنت أرحم الراحمين.
أين نحن من الشفقة والحرص على هداية هؤلاء التائهين الحيارى ؟! أين براءة الذمة في هذا الجانب ؟! وأين المعذرة إلى الله وإقامة الحجة على هؤلاء ؟!
مؤسف أن تكون ديار إسلام كديارنا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها فريضة تكاد تكون (غائبة) إلا عند قليل ممن رحمهم ووفقهم الله .. وقد كان مما يبايع عليه الصحابة الكرام نبيَّ الهدي والرحمة : (النصح لكل مسلم) ، فإن النصيحة هي من حق المسلم على أخيه المسلم ، وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ) متفق عليه واللفظ للبخاري.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما فضلت الأمة به ، قال الله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ) سورة آل عمران. فكيف نضيع سبباً هو من أسباب تفضيل أمتنا على غيرها من الأمم ؟!
ولما فرط بنو إسرائيل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأضاعوه ، قال الله جل وعلا في حقهم:  (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) سورة المائدة ، ثم فسر هذا العصيان فقال سبحانه : ( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُون) سورة المائدة. فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم ، وجعله التفسير لهذه الآية .
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم) رواه الإمام أحمد. نتمنى رمضان هذا العام خيراً مما سبقه ، خاصة وبلادنا تمر بمحنٍ وبلايا وضيق والمخرج عند من بيده الأمر كله ، والذي أمرنا بالتوبة والاستغفار والتعرض لأسباب رحمته والبعد من أسباب سخطه ، ولنظهر رحمتنا ببعضنا في نصحنا وأمرنا بالمعروف لمن حولنا ونهيهم عن المنكر.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

655 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search