د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

من أين يُحْرِم أهل السودان

بدأ تفويج الحجاج لهذا العام إلى البلد الحرام، ويذهب الناس العمرة في فترة تستمر عدة أشهر، ولكل باحث يهتم بهذا الموضوع أضع هذا الإسهام الموجز لغرض التنبيه ولتعطى هذه المسألة حقها الكافي من البحث، فإن كثيراً من الحجاج والمعتمرين القادمين إلى مكة من السودان يحرمون من مدينة جُدّة بعد وصولهم إلى بلاد الحرمين الشريفين - أدام الله عزها وأمنها -  وهذا أمرٌ راسخ لدى كثير من الناس ولربما يفتي بهذا كثيرٌ من المفتين ببلادنا في وقتنا المعاصر، وفي ذات الوقت فإن كثيراً من الحجاج والمعتمرين من السودان يحرمون – أي يدخلون في النسك – وهم في الطائرة أو الباخرة وذلك قبيل وصولهم إلى مطار أو ميناء مدينة جُدّة عند محاذاتهم لميقات (يلملم) .
إذن..الواقع المشاهد وجود حاليْن في المكان الذي يحرم منه الحجاج والمعتمرون القادمون من السودان إلى مكة مروراً بمدينة جدة  !! وبعض - بل الكثير - من شركات الملاحة والخطوط الجوية تنبه قبيل الوصول إلى جدة لتخبر بمحاذاة الميقات، إذن.. هي قضية بحاجة إلى تناول علمي ببحث يدلي به من لديه الحُجّة الشرعية؛ خاصة والمسألة تتعلق بركن من أركان الإسلام وهو الحج وشعيرة عظيمة من الشعائر وهي العمرة.
ولا أدّعي أن ما أورده - موجزاً في هذا المقال - هو النهاية التي أريد أن يقتنع بها كل مهتم في هذه المسألة، وإنما هدفي هو *التنبيه للعناية بهذه المسألة* بجهد المقل، وهدفي دعوة المجامع العلمية والفقهية وكليات الشريعة وأهل التخصص لإعطاء هذه المسألة نصيبها والنظر في ما يطرح فيها من أقوال والتأمل في أدلتها لمعرفة الصواب في ذلك.. 
لقد تتبعت كلام جملة من أهل العلم الراسخين، وطبقته على الخريطة فتبين لي أن كبار أهل العلم قد بينوا أن من يقدمون إلى جدة بنية الحج أو العمرة من الجهة الغربية من البحر الأحمر هم واحد من ثلاثة باعتبار جهة مقدمهم :
1/ من يقدم إلى جدة من جهة الشمال الغربي فإنهم يحاذون ميقات (الجُحفة) قبل وصولهم إلى جدة .. وهم أهل مصر ومن في حكمهم ..
2/ من يقدم إلى جدة عموياً (رأساً) من جهة الغرب فهذا لا يحاذي ميقاتاً قبل جدة لا من جهة الشمال ولا من جهة الجنوب.
3/من يأتي إلى جدة من جهة الجنوب الغربي فإنه يحاذي ميقات (يلملم) وهو المعروف بالسعدية قبل وصوله جدة..
والقسم الثالث هو الواقع والحال للحجاج والمعتمرين القادمين من السودان سواء من مطار مدينة بورتسودان التي تقع جنوب غرب مدينة جدة أو عبر البحر من ميناء سواكن الذي يقع على بعد ستين كيلو متراً جنوب مدينة بورتسودان وبالنظر في الخريطة المرفقة يتبين ذلك جلياً إذ المؤشر في موقع الميقات..
هذا الحصر للجهات الثلاث التي يقدم منها الحجاج والمعتمرون إلى جدة من الجهة الغربية أرى من المهمات التأمل والنظر فيه ، لأنه النقطة الأولى في الإجابة عن سؤال : من أين يحرم أهل السودان ؟! 
وهذه الجزئية وضّحها جمع من العلماء أذكر – على سبيل المثال – من ذلك ما يلي :
قال الشيخ عبد العزيز بن باز : (والذي أوجب نشر هذا البيان أنه قد صدر من بعض الإخوة في هذه الأيام كتيب اسمه: (أدلة الإثبات أن جدة ميقات) - يحاول فيه إيجاد ميقات زائد على المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث ظن أن جدة تكون ميقاتاً للقادمين في الطائرات إلى مطارها أو القادمين إليها عن طريق البحر أو عن طريق البر، فلكل هؤلاء أن يؤخروا الإحرام إلى أن يصلوا إلى جدة ويحرموا منها؛ لأنها (بزعمه وتقديره) تحاذي ميقاتي السعدية والجحفة فهي ميقات .
وهذا خطأ واضح يعرفه كل من له بصيرة ومعرفة بالواقع؛ لأن جدة داخل المواقيت، والقادم إليها لابد أن يمر بميقات من المواقيت التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحاذيه براً أو بحراً أو جواً، فلا يجوز له تجاوزه بدون إحرام إذا كان يريد الحج أو العمرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لما حدد هذه المواقيت: هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أَتَى عليهِنَّ مِنْ غَيْرِ أهلِهن، مِمَّنْ يُرِيدُ الحَجَّ أو العمرة . فلا يجوز للحاج والمعتمر أن يخترق هذه المواقيت إلى جدة بدون إحرام ثم يحرم منها؛ لأنها داخل المواقيت .
ولما تسرع بعض العلماء منذ سنوات إلى مثل ما تسرع عليه صاحب هذا الكتيب؛ فأفتى بأن جدة ميقات للقادمين إليها: صدر عن هيئة كبار العلماء قرار بإبطال هذا الزعم وتفنيده، جاء فيه ما نصه: (وبعد الرجوع إلى الأدلة وما ذكره أهل العلم في المواقيت المكانية ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه، فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
1 - إن الفتوى الصادرة الخاصة بجواز جعل جدة ميقاتاً لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية فتوى باطلة؛ لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله، أو سنة رسوله، أو إجماع سلف الأمة، ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم .
2 - لا يجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية، أو حاذى واحداً منها جواً أو براً أو بحراً أن يتجاوزه من غير إحرام، كما تشهد لذلك الأدلة، وكما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى إذا كان يريد الحج أو العمرة .
ولِواجب النصح لله ولعباده رأيت أنا وأعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء إصدار هذا البيان؛ حتى لا يغتر أحد بالكتيب المذكور) . انتهى.
وقال الشيخ محمد العثيمين في إجابة سؤال : ما هو ميقات أهل السودان؟ 
الجواب: أهل السودان إذا جاءوا قصداً إلى جدة فميقاتهم جدة، وإن كانوا أتوا من الناحية الشمالية أو الجنوبية فإن ميقاتهم قبل أن يصلوا إلى جدة، إن جاءوا من الناحية الشمالية فإن ميقاتهم إذا حاذوا الجحفة أو رابغاً، وإن جاءوا من الجهة الجنوبية فإن ميقاتهم إذا حاذوا يلملم وهو ميقات أهل اليمن، فيكون أهل السودان مختلف ميقاتهم بحسب الطريق الذي جاءوا منه) انتهى.
وبتفصيل الشيخين أعلاه أفتى الشيخ الألباني وفتواه (مقروءة) على هذا الرابط :
http://www.myhuda.com/play-46789.html
وبمثل ذلك أفتى الشيخ الدكتور صالح الفوزان ، وهذا هو رابط الفتوى (صوتية) :
http://www.alfawzan.af.org.sa/node/9053
إن البعض يستصعب الإحرام في الطائرة ، بينما الملايين تأتي من بلاد كثيرة وبعيدة ومن داخل المملكة العربية السعودية ومن خارجها وهم يلبسون الإحرام في الطائرات، والبعض يتعلّل بعدم الحصول على لباس الإحرام، وإن لباس الإحرام المعروف متوفر حالياً بكثرة ويباع في محلات كثيرة داخل السودان.. والأمر في ذلك يسير جداً ومن السهل والميسور تدبيره ، فإن الأسباب التي تذكر في هذا هي من قبيل الإشكالات اليسيرة التي لها حلول ، وأكرر أن هذا المقال دعوة إلى بحث جاد لهذه المسألة المهمة.
أما من يصل من الحجاج إلى المدينة أولاً فإنه يحرم من ميقات ذي الحليفة والأمر في ذلك واضح للجميع نظرياً وعملياً وهو خارج عن هذه المسألة ..
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search