د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

(مقاطع) القدح في العقيدة (1/2)

وكنت قبل سبع سنوات ولمدة ثلاث سنوات متتالية أكتب محاوراً ومناقشاً بصفة ثابتة بمنتدى سودانيز أون لاين إذ ناقشت في تلك الفترة في تلك الحوارات المفتوحة الكثير من ألوان الطيف السوداني منهم : (الملاحدة والنصارى والرافضة الشيعة والجمهوريين والشيوعيين والليبراليين والعلمانيين ..وغيرهم) ، ومن خلال وجودي في تلك الفترة بذلك المنتدى فقد اطلعت على بعض مشاركات تراجي مصطفى المكتوبة والتي كان تركيزها في المقام الأول على (المركز والهامش) !! ، وقد عرفت ما لديها في تلك الفترة أسأل الله لنا ولها الهداية والتوفيق، وبعد ظهورها في الفترة الأخيرة في الحوار الوطني نشرت تزامناً مع ذلك مقالين بهذه الصحيفة فيهما تلخيص لجوانب أردت إبرازها فيهما من خلال مواقفها ..
وفي المقاطع التي وصلتني في الفترة الأخيرة رأيت ارتفاع مقياس (الحدة) و(الانفعال) ولك أن تقول (التشنج) !! ، وهذا المقال ليس المقصود منه التحليل أو المناقشة المستفيضة أو التفصيلية من ناحية شرعية لبعض ما ورد في تلك المقاطع التي شرّقت (فيها) و (بها) صاحبتها وغرّبت، أسأل الله أن يلهمها رشدها ويعينها على نفسها.
وإنما المقصود هو تصحيح خطأين عقديين وقفت عليهما في مقطعين متداولين، لخطورة الكلام لأنه في التعرض لحق الله تعالى الخالق، وفيه الانتقاص لجناب توحيده سبحانه وتعالى، وقد تعلّمنا في ديننا وقرأنا فيما تعلمناه في المدارس والجامعات وبين يدي العلماء في المساجد ومما ندرّسه لطلابنا أن العقيدة هي أولى وأوّل ما يجب العناية به تحقيقاً وتقريراً وتصحيحاً وتصويباً ..
قالت تراجي مصطفى في تسجيل صوتي متداول في قضية الختان : (وربنا أبدع خلق الإنسان وبذل مجهود خرافي في ذلك) !!
قلت : ليتك يا تراجي انشغلتِ بمعرفة أسماء وصفات ربك وخالقك عز وجل وتعلمت العقيدة أولاً قبل أن «تدخلي» نفسك في ما أنت فيه وليتك تعلمتِ ما يوصف به الله تعالى وما لا يوصف به فإن هذا من العلم الواجب على كل مسلم ومسلمة ..
إن من أسماء الله تعالى القوي والقادر والقاهر والعزيز والمتين، وقد وصف الله تعالى  نفسه في كتابه ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه على كل شيء قدير وأنه سبحانه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتقدّس ، وآيات القرآن الكريم واضحة جلية يعرفها الصغير قبل الكبير وغير المتعلم قبل المتعلّم من أنه :
"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" سورة البقرة.
وقَالَ كَذَلِكِ" اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" سورة مريم.
"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ" سورة الأنعام.
"إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" سورة النحل.
"أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" سورة البقرة.
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ" سورة ق. واللغوب هو التعب وهو الذي نسبه اليهود لله تعالى عندما قالوا إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع! تعالى الله عن قولهم علوّاً كبيراً، لذلك وردت هذه الآية ووردت آيات أخرى غيرها، ومن تلك الآيات قوله تعالى : "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"سورة الأحقاف.
إن الله سبحانه وتعالى لا يقال عنه إنه بذل مجهوداً !! تعالى الله وتقّدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وليس على الله تعالى ما هو عسير أو صعب أو خرافي، فإن الذي يبذل المجهود ويتعب في تحقيق الأمر المقصود هو المخلوق الضعيف الذي خلقه الله تعالى ، وإن تشبيه الله تعالى بخلقه في مثل ذلك هو من أعظم المنكرات والجرائم، وهو من أخبث صور الفساد في الأرض والعياذ بالله، وإن هذا القول الذي صدر من صاحبة هذا المقطع المتداول هو من أسوأ الأقوال وأشنعها إذ يمس العقيدة ويتعرض لجناب الخالق الرب المالك، مالك الملك رافع السماء بغير عمد، رب السموات والأرض جل وعلا، وإن المصيبة أن يتنشر ويتداول مثل هذا المقطع وهو يحمل كلاماً (قبيحاً) (فاسداً) مؤذياً للمؤمنين والمؤمنات، هو أعظم وأعلى وأسوأ صور الفساد في الأرض وأعلاها وهو في نفس الوقت باسم محاربة الفساد !! وهو بعينه (الدواء بالداء) و(العلاج بالمرض الأشد) !!.
 وإن سماع كثير من الناس لمثل هذا الكلام دون الانتباه لخطئه (الكبير) وباطله (الخطير) ودون إنكاره - بحسب الاستطاعة - هو مما يعكس ويوضح بجلاء مكانة العقيدة الإسلامية في نفوس كثير من الناس ومدى عنايتهم بها والحرص على الدفاع عنها !! فإن مما يلاحظ أن الانتقاص عبر هذه المقاطع وما شابهها إذا كان لفلان من الناس في أمانته أو عرضه ونحو ذلك انتبه له الكثيرون ممن يصلهم ، لكن إذا كان في الاستهزاء بالله تعالى أو شرعه ودينه، فإن كثيراً من الناس لا يعنيهم ذلك في قليل أو كثير أو نقير أو قطمير ..ولا ينتبهون له فضلاً عن أن ينكروه ولو بقلوبهم !!
أتأسّف غاية الأسف لحصول وانتشار مثل هذا الخطأ الكبير، وأحزن للحال الذي نعيشه، حيث يحمل بعض الناس الداء (مضموناً وأسلوباً) ويظن أن معه الدواء والعلاج الناجع، وحقاً إننا في زمان نرى فيه أنه قد تحقق ما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام من أنه زمان : (ينطق فيه الرويبضة) ، والله المستعان، و"إنا لله وإنا إليه راجعون "
ويليه الحلقة التالية بمشيئة الله وبها نموذج آخر ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search