د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

ما سمي (الربيع العربي) من أكبر الفتن

والمتحدث هو  محمد ولد الددو الموريتاني ، والمحاور له هو الدكتور عبد الحي يوسف، وقد أردتُ أن أقف وقفة مع ما جاء في هذا المقطع من إشادة الددو بما سمي (الربيع العربي).
أقول : محزنٌ جداً أن ينشر المتحدث كلاماً يناقض به الواقع المشهود وقبل ذلك يناقض النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة والمقاصد المرعية.
هلّا أخبرنا ولد الددو عن مصير البلدان التي حصلت فيها تلك المظاهرات وشهدت ما سمي الربيع العربي ماذا كان المصير والمآل فيها ؟! ماذا حدث ؟! وإلى ماذا آلت الأمور ؟! وما حجم الضرر والخسائر التي وقعت ؟! ومن المفيد – حقيقة - من تلك الأحداث ؟! وإذا كان المتحدث لا يعرف أجوبة هذه التساؤلات فتلك مصيبة !! وإن كان يعرف فالمصيبة أعظم !!
لقد حكم العلماء وطلاب العلم المستنيرون بهدي الشريعة الخاتمة والمطلعون على مقاصد التشريع الإلهي حكموا على تلك الأحداث منذ بدايتها، وعلى صفحات هذه الصحيفة تمت مناقشة بعض الكتاب ممن انبهروا بتلك المظاهرات - أو قل تلك الفوضى - التي أراد البعض تقنينها ، ومرّت الأيام وانكشفت الحقائق لكثيرين بما وراء ما سمّي بالربيع العربي !! وكان من المتوقّع أن يكون المتحدّث أحد الذين أفادوا بعد انكشاف الأحوال .. فإن الفتن إذا أقبلت عرفها العلماء ومن وفقهم الله تعالى ممن جعلوا سبيلهم العمل بالنصوص الشرعية والسير على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، وإذا أدبرت عرفها كل أحد ؛ نعم كل أحد !! ومؤسف – جداً - أن يكون المتحدث ممن لا زال مفتوناً بتلك الفوضى العارمة التي لم يشهد المسلمون فوضى جماعية مثلها ، يخربون فيها بيوتهم وبلدانهم وقوعاً في الفساد الأعظم من الفساد الذي كانوا فيه.
هو ليس (الربيع العربي) فقد وصفه العلماء بالوصف الأليق به : (الربيع الغربي) بالغين بدل العين، فقد أفاد من الأحداث التي شهدتها المنطقة في بعض بلدانها، أفاد منها الكفار عموماً والغرب خصوصاً والروس كذلك، وسهلت عليهم الأمور ليحقّقوا بعض أمنياتهم التي لا تتحقّق لهم إلا بمثل هذا السبيل المعوج، الذي حاول المتحدث الددو أن ينفي عنه أنه من (الفتن) بل ويشجّع عليه في تلك الكلمات المظلمة المخالفة للتوجيهات الشرعية والمناقضة للمقاصد المرعية.
إن مخالفة (الربيع الغربي) - وهو اسمه حقيقة وواقعاً – للنصوص الشرعية والمقاصد المرعية كتب في إثباتها ذلك بحوث ونشرت مقالات ولي عشرات المقالات التي نشرتها بهذه الصحيفة. وليعلم الددو ومن يستضيفه أن المصائب التي تقع في البلاد ويواجهها العباد وما سمّاه (ثورات الجياع) ليس السبب الوحيد في وقوعها هم حكامهم، فإن الحكام هم ثمرة ما عليه الشعوب من معتقدات وسلوك وتصرفات، وهذه سنة كونية بيّنها القرآن الكريم ووضحتها السنة النبوية، وأرجو أن لا تكون مما يخفى على المتحدث.
إن لله تعالى في هذا الكون سنناً لا تتبدّل ولا تتغير (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) .. من تلك السنن أن بقدر إعراض الناس عن دين الله وبعدهم عن أوامره ووقوعهم في نواهيه تكون العقوبات والمصائب والبلايا، لا تتخلّف هذه السنة الكونية ولا تتبدّل، قال الله تعالى : (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) هذه هي النتيجة التي يصل إليها المعرضون عن دين الله وعن توجيهاته وتوجيهات رسوله عليه الصلاة والسلام.
ومن يتأمل العقوبة التي حكاها لنا القرآن الكريم وحصلت في موقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أفضل البشر بعد الأنبياء وهم صحابته الكرام عليهم رضوان الله وذلك في يوم أحد فقد قال الله تعالى : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .. (قل هو من عند أنفسكم) ومثله درس آخر في غزوة حنين .. (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) فهل عقلنا وتعلمنا هذا الدرس العظيم؟!
وفي المقابل الرخاء ورغد العيش يكون مع صحة المعتقد والإقبال على الله (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) .. (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) .. (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى).
وقد يصحب الإعراض عن أوامر الله تعالى المجاهرة بالإعراض والعصيان وقد ورد الوعيد الشديد للمجاهرين والمجاهرات فقد قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين...).. رواه البخاري ومسلم ، فإن المجاهرين عرضوا أنفسهم للهلاك والضياع بسبب مجاهرتهم ولم تشملهم معافاة الله لهم ..
قال الله تعالى : (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).في تفسير هذه الآية نقرأ في تفسير القرطبي ما يلي : "وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم ..."أ.هـ.
هذا هو الداء وهذا هو الدواء .. فليحسن المتحدث معرفة الداء ليعرف وصف الدواء ، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه !! فإن عامة المسلمين قد أدركوا مآلات الخروج على الحكام عند عدم توفر شرط القدرة على الخروج عليه وعند عدم توفر غيره من الشروط والتي منها الكفر البواح الذي فيه برهان جلي واضح، وإن الواجب أن تجنب قنواتنا وإذاعاتنا وصحفنا وإعلامنا مثل هذه الدعوات فإننا بقينا زماناً ندفع منهج الغلو والتطرف المتمثل في أمور عديدة منها الدعوة إلى الخروج على الحكام والثورات والاعتصامات ونحاربها على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد، وقد أنشأت الدولة مشكورة مجلساً خاصاً تحت مظلة مجمع الفقه هو مجلس الرعاية والتحصين الفكري وقد وضع في أهم أولوياته تصحيح مثل هذه المفاهيم الخاطئة التي نشرت عبر هذا اللقاء، فلينتبه لهذا النشر الخاطئ المخالف الذي فيه غش للمسلمين ودعوة للفتن.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search