د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

عالم من النيل الأزرق

نشرتُ هذا المقال قبل أكثر من ثلاثة أعوام، ولرغبة بعض الإخوة القراء رأيت إعادة نشره وفاءً لهذا العالم الشاب النبيل :
لم أرَ في سوداننا عالماً مثله اجتمع فيه: سعة العلم ووفرته والصبر على تحصيله ثم الاجتهاد في تعليمه، والعناية بالبحث العلمي، مع جرأة في الصّدع بالحق، والصبر على نشره في ولايات ومدن بلادنا المختلفة، مع رقة في القلب ومداومة على قيام الليل وكثرة الذكر، وخلق فاضل ونفس طيبة سمحة، وتواضع جم، وصلة مميزة مع طلابه.
وقد يظن من يقرأ هذه الكلمات أنّني أتحدّث عن عالمٍ عاش سبعين عاماً أو ثمانين!! بينما عالمنا الذي يطيب لي أن أعرّف بكلمات موجزة به قد توفي وعمره ثمانية وثلاثين عاماً.
إنه الشيخ يس محمود يس هدي عجب مقبول، أشهد أنه أميز طالب علم عرفته، وأفضل داعية صاحبته، وأرسخ عالم في بلادنا رأيته، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً.
ضمن سلسلة تكريم العلماء التي أنشرها عبر هذه الصحيفة رأيت أن تكون الحلقة الثانية مع هذا الشيخ الكريم، والعالم القدوة للتعريف بموجز عن مسيرته العلمية والدعوية والتعليمية.
ولد فضيلة الشيخ يس محمود عام 1964م بقرية (سُرْكُم) التي تقع على مسافة عشرين كيلومتراً شمال غرب مدينة (الكرمك) بولاية النيل الأزرق. ودرس المرحلة الأولية بقرية (مايْكا) التي تقع جنوب بلدته قرية (سُرْكُم) بتسعة كيلومترات، وأحرز المركز الأول في شهادة المرحلة الابتدائية، ثم التحق بعدها بمدرسة (الكرمك) المتوسطة ودرس بها، وفي امتحان الشهادة المتوسطة حصل على المركز الأول أيضاً، ثم انتقل إلى مدينة (الدمازين) ودرس بها المرحلة الثانوية والتحق منها بعد حصوله على الشهادة الثانوية بكلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان الإسلامية، فدرس بها سنة واحدة ثم حصل على منحة قبول بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وكان ذلك في عام 1404هـ، وتخرج بحصوله على ليسانس الشريعة بتقدير ممتاز، وكان ترتيبه الأول على طلاب كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في بعض سنوات الدراسة، ويخبرني أستاذنا البروفيسور سليمان الرحيلي المدرس بالمسجد النبوي وأستاذ كرسي الفتوى بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة أنهما كانا يتنافسان على المركز الأول على طلاب كلية الشريعة، وعرف الشيخ يس في فترة دراسته بالمدينة ــ طيبة الطيبة ــ بالاجتهاد في طلب العلم وتحصيله والجلوس على العلماء للأخذ منهم والعناية بضبط حفظ القرآن الكريم، وحفظ الأحاديث النبوية.
رجع إلى السودان بعد تخرجه ــ رحمه الله ــ وعمل في التدريس، فدرّس بالمعهد العالي للدراسات الشرعية التابع لجماعة أنصار السنة المحمدية بمدينة كسلا في الفترة من 1409 ــ 1413هـ وكان مديراً للمعهد، ثم عمل بالمعهد العالي للدراسات الشرعية التابع لجمعية الكتاب والسنة الخيرية بالكلاكلة ثم بجبرة فعمل به مدرّساً ومديراً.. وعُرِف فضيلة الشيخ يس رحمه الله بالتحقيق العلمي ودقة البحث في المسائل الشرعية، لذلك التفّ حوله الطلاب وحرصوا على ملازمته والأخذ منه، سواء الذين يدرسهم بهذه المؤسسات التعليمية أو طلاب العلم من خارجها.
ولم يغفل فضيلة عالمنا إكمال مشوار الدراسة الأكاديمية فالتحق ببرنامج ماجستير أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان الإسلامية، وحصل على الماجستير بتقدير ممتاز عام 1416 ــ 1996م، وقدّم رسالة علمية مميزة بعنوان : (ضوابط التعارض والترجيح بين الأدلة عند الأصوليين)، ثم اختار لأطروحة الدكتوراة موضوعاً أصولياً مميزاً يشق على كثيرٍ من المتخصصين في أصول الفقه الدخول فيه وهو موضوع : (المسائل الأصولية التي خالف فيها ابن حزم الظاهري الأندلسي جمهور الأصوليين دراسة مقارنة) وقد فرغ من كتابة البحث وقام بتسليمه للمناقشة، إلا أنه قد توفي ــ رحمه الله ــ قبيل المناقشة بحادث حركة في12 جمادى الآخرة عام 1423هـ الموافق 21 شهر أغسطس عام 2002م في منطقة (القدمبلية)، حيث كان برفقته أسرته وهم في طريق العودة للاستقرار بالخرطوم، بعد أن قضى الشيخ أربعة أعوام بمدينة بورتسودان التي لم يذهب إليها إلا للقيام بواجب نشر العلم الشرعي وإشباع رغبات طلاب العلم المتعطشين في تلك المدينة التي اشتهرت بنهم طلاب العلم فيها وصبرهم على تحصيل العلم.
لقد قضى هذا العالم الأعوام الأربعة الأخيرة من حياته في مدينة بورتسودان، فكانت له حلقات علم ذات حضور ومتابعة من كثيرين بالجامع الكبير بسوق بورتسودان، فأجاد في تدريس تفسير القرآن الكريم، وله دروس أخرى بعدة مساجد وخلاوى وزوايا، وقد عرفه أهل هذه المدينة ورأوا ثمار هذا الشيخ في توعية واضحة في المسائل الشرعية، ونشر للعلم الشرعي والمعتقد الصحيح وإظهار للسنة النبوية، بحكمة ورويّة وأسلوب مميز، ومما تميّز به هذا الشيخ الفاضل أنه يدرس التفسير والفقه والحديث والعقيدة والفرائض وأصول الفقه والقواعد الفقهية والسيرة واللغة العربية، يدرس كل هذه العلوم وكأنه متخصّص في كل واحد منها، كما أنه خطيب مفوّه وداعية نشط مميز صاحب همّة عالية، وقارئ للقرآن حسن الصوت، يرغب من يصلي خلفه في استمراره وإطالته في القراءة.
وقد كنت في ضيافة هذا الشيخ قبل وفاته بخمسة أيام، حيث كنت في طريقي إلى المملكة عن طريق بورتسودان، فكنت في ضيافته الليلة التي قضيتها بمدينة بورتسودان، وشاركته في تلك الليلة في محاضرة بمسجد الإيمان بحي دار النعيم، وأذكر أننا لما رجعنا من تلك المحاضرة ودخلنا من باب العمارة التي كان يسكن فيها وكان التيار الكهربائي مقطوعاً، بقي يدعو ويردد (اللهم إنا نعوذ بك من ظلمة القبر)، كما أننا قد سافرنا سوياً إلى الولاية الشمالية مرتين في رحلات دعوية ودورات علمية شملت المناطق من مدينة الدبة وحتى قرى (فرّيق) و(مشكيلة) من قرى المحس، مروراً بقرى جنوب دنقلا، ورأيت في هذا الشيخ ما جعلني أشهد أني لم أر في بلادنا مثله ممن اجتمعت فيه خصال خير ذكرتُ بعضها.
وكان الشيخ يس ــ رحمه الله ــ يعتني بمنطقته وأهله ويأخذ لهم الدعاة، ويجتهد في الشفاعة لهم لإقامة المشروعات الخيرية التي يحتاجون إليها، فكان حريصاً حرصاً شديداً على تحقيق رغباتهم وأمنياتهم بقدر استطاعته، و(خيركم خيركم لأهله). بل إن مساجد بمدينة بورتسودان التي كان ضيفاً فيها أقيمت عن طريقه وفي فترة عيشه فيها، في أحياء طرفية وتعرف هذه المساجد بين الدعاة باسمه.
وترك الشيخ يس ــ رحمه الله ــ آثاراً علمية تتمثل في بحوث علمية ورسالتي الماجستير والدكتوراة، وترك دروساً كثيرة مسجلة في أشرطة صوتية، في علوم شتى، وله دروس ببعض الإذاعات، وترك أثراً علمياً وتربوياً كبيراً في زملائه وأصحابه وأقرانه قبل طلابه، ومن حق هذا العالم الذي لم يكن يعرف السكوت عن الحق والجهر به، والذي اجتهد في نشر العلم في ولايات الشرق والغرب ونهر النيل والشمالية والجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق، أن من حقه العناية بتراثه ونشره ليكون صدقة جارية له، ولدي رسالته للدكتوراة بإذن الله ستكون من أول ما يطبع من آثار هذا الشيخ بعد وفاته، وأهيب بطلابه للوفاء بحق شيخهم، ونشر علمه الذي ضحّى لأجله.
رحم الله هذا الشيخ الكريم ورفع درجاته في عليين، فقد نشر علماً صحيحاً وتخرّج على يديه دعاة ووفقه الله لتصحيح مفاهيم خاطئة، وحبّب الكثيرين في طريقة السلف من الصحابة والتابعين من التمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما بفهم السلف الصالحين، وقد كانت جهوده واضحة في إفحام جماعات التكفير والغلو والتطرّف، وفي تصحيح أفهام المتميّعين والمتنصّلين من متتبعي الرخص، كما له جهود واضحة وجريئة في إسكات أصوات المتعالمين المتطفّلين على ساحات العلم وموائده ــ وقد كثر هذا النوع في هذه الأيام للأسف ــ وله مشاركاته المميزة في بيان الحق وتوضيحه، وله أسلوبه الرائع في تبسيط المعلومات وتسهيل فهمها.
لقد عرف عالمنا باستغلال أي مجال يتاح للتذكير والنصح، وهذا من عرى الإيمان ومحبة الخير للمسلمين .. وقد ألقى موعظة بالقضارف بعد صلاة الفجر بأحد مساجدها ثم انطلق وأسرته في الطريق وتوفى بعد ذلك بأقل من ساعتين .. وأهيب بالعلماء وطلاب العلم الإفادة من أوقاتهم والنأي عما تضيع به الجهود والأوقات والأعمار، والانشغال بنشر العلم والعناية بذلك.
رحمه الله وغفر له وبارك في ذريته وطلابه وما تركه من آثار علمية.. وإلى اللقاء مع عالم آخر في حلقة قادمة بمشيئة الله تعالى.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

794 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search