د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

ظاهرة إغلاق المساجد في صلاتي الظهر والعصر في رمضان

الذين بدا لهم ورأوا أن يغلقوها في نهار رمضان حتى لا يدخل تلك المساجد من يقيلُ فيها وينام، وكنت أتوقع أن الأمر لا يستحق التعليق عليه كونه تصرّفاً فردياً في مسجد من المساجد أو مسجدين، وشأن التصرّف المنكر (الشاذ) (النادر) لا يستحق أن يعطى من العناية والإبراز ما لم يصبح ظاهرة !! وقد وقفتُ بنفسي على ذلك وعلمتُ أن هذا الصنيع بات متكرراً في عدد من المساجد ..
لقد أتيت إلى أحد المساجد وقت صلاة الظهر فوجدته (مغلقاً) وقد وُضِعَت سجادات في المظلّات الملحقة بالمسجد، فلم يرفع الآذان في ذلك المسجد لصلاة الظهر ولا لصلاة العصر في شهر رمضان الذي فيه المزيد من الاجتهاد في الأعمال الصالحة، وليست هناك إقامة بمكبر صوت ولا يوجد حتى الإمام الراتب الذي يصلي بقية الأوقات، فقد تردّدتُ على هذا المسجد لأكثر من خمسة أيام، والحال كما هو الحال، تعطيل لصلاتي الظهر والعصر، وعدم إعانة للمصلين وجيران المسجد الذين يرغبون في الصلاة في مسجدهم بما يناسبهم من ناحية الجو والفرش، حيث إن بعضهم يخرج من بيته ومن غرفة مكيّفة درجة حرارتها أقل من (20) درجة لينتقل ويصلي في مظلة درجة الحرارة بها تتجاوز (45) درجة.
في رمضان يفرح المؤمنون لما يرون من كثرة المصلين في المساجد وكثرة الذين يرتلون القرآن الكريم قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل صلاة العصر وبعدها، وترى حلقات علم ودروس في المسائل الشرعية بعد صلاتي الظهر والعصر ، وقد افتقد بعض المصلين ذلك وغيره من أعمال الخير في شهر الخير إذ تم إغلاق مسجدهم طيلة نهار شهر رمضان..
وإن سألت عن السبب الذي حمل هؤلاء على هذا الصنيع بإغلاق المساجد في نهار رمضان لعلمتَ أنهم يحتجون بأن كثرة النائمين بالمسجد يتسخ بها فرش المسجد ، أو أن بعضهم يحتج بأن التكييف يصرف مبالغ كبيرة ولم أسمع عن سبب ومبرّر لهؤلاء غير هذين السببين.
فأقول : هل جهل هؤلاء الإخوة أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم فيه أصحابه الكرام رضي الله عنهم وينتظر كثير منهم الصلاة بعد الصلاة ؟! أليس لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة بأن يسمحوا لمن يرغب أن يبقى سويعات في نهار رمضان في المسجد ؟! وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه وغيره من الصحابة الكرام يقيمون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسكنون فيه.
ألا يعلم هؤلاء الإخوة الذين اتجهوا لهذا العمل (الغريب) (الدخيل) على عُرف السودانيين وعلى مجتمعنا أن ضيافة الصائمين بتهيئة مكان لهم يصلون فيه ويقرأون فيه القرآن ثم ينام من أراد منهم أن ينام فيه دقائق معدودات ألا يعلمون أن ضيافتهم لهم شرفٌ عظيم وعمل جليل، فإنهم مؤمنون ومصلون وصائمون ومتطهرون، وقد سعد بضيافتهم كثيرٌ من أهل الخير والبر والإحسان في بلادنا على مختلف ولاياتها؛ بل تنافس في تهيئة المساجد بالليل والنهار كثيرٌ من المحسنين في بلادنا، حتى إن بعضهم أعدّ أكلاً طيباً وشراباً هنيئاً، وكانوا عوناً بعد الله تعالى لمن أراد أن يعتكف في العشر الأخيرة ، ممن أرادوا أن يهتدوا بهدي النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام الذي كان يعتكف في العشر الأخيرة من رمضان.
قال الله تعالى : (... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ، هذا أمر الله تعالى بتهيئة المساجد للمصلين الركع السجود وتهيئتها للعاكفين، فكيف بهؤلاء الإخوة يغلقون بيتاً من بيوت الله تعالى هو لله تعالى ، ليس خاصاً بهم ؟! كيف يغلقون المسجد وقت صلاتي الظهر والعصر وحول المسجد أصحاب حق عظيم يرغبون في أن يصلوا فيه هذه الصلوات ويرغبون أن يعتكفوا في بيت الله تعالى ؟!
إن إغلاق المسجد في وقتيْ فريضة من فرائض الله تعالى وعدم رفع الأذان في هذين الوقتين وجعل الصلاة فيهما بوضع غير منتظم في ساحات المسجد، لهو أمر ليس بالسهل وهو من صنيع متعمّد في عدم تعظيم شعائر الله تعالى، وبالتالي هو مفسدة عظيمة تهون أمامها ما يراه من يغلق المسجد لأجل ما يصيب فرشه بسبب من ينامون فيه في نهار رمضان، وأما إن كان المبرّر لديهم هو زيادة صرف المال على رسوم الكهرباء فإنهم لو فتحوا باب (التبرعات) إن رغبوا في ذلك فسيجدون من يعينهم بعد الله تعالى في ذلك.
وإن أصرّ هؤلاء الإخوة على منع الصائمين من البقاء في المسجد في نهار رمضان, فكان يسعهم أن يفتحوا المسجد لصلاتي الظهر والعصر ثم يقومون بإغلاقه بعد الصلاة بنصف ساعة. وهل جهل هؤلاء أن صلاة التراويح سنة مستحبة وصلاتي الظهر والعصر من فرائض الله بل الركن الثاني في الإسلام؟.
إن الصائمين الذين أرادوا أن يبقوا في المسجد جزءاً من نهار رمضان منهم جماعة المسجد وجيرانه، ومنهم المحتاجون ومن أصحاب الدخل الضعيف وبينهم من الضعفة، وإن إعانة هؤلاء في صيامهم لهو الخير الكثير والعمل المبرور وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!).
أرجو أن يتغيّر الحال في رمضان القادم، ويمضي القائمون على هذه المساجد على ما عليه السواد الأعظم في مجتمعنا السوداني الأصيل الكريم بأن يفتحوا المساجد للأوقات الخمسة ويحسنوا تهيئتها للمصلين والعاكفين ولا يغلقونها ؛ فإنها إغلاق المساجد في نهار رمضان ظاهرة جديرة بالإنكار والتخويف بالله القهّار، عفا الله عنا وعنهم. ..

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search