د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

ضرب الفاسدين من آكد حقوق المواطنين

وقد أجاد العلامة ابن جماعة الكناني رحمه الله في عدّها وتبعه في ذلك علماء كثيرون ممن كتبوا في هذا الشأن.
لن نجد مجتمعاً صحيحاً سليماً في كل تصرفاته وقيامه بأداء ما أؤتمن عليه ، فطالما أن هناك الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والهوى والتقليد الأعمى وقبل ذلك الجهل .. طالما وجدت هذه الأمور وما شابهها فالخطأ وارد على هذا الإنسان .. ويبقى دور المصلحين في إصلاح ما يفسد في أعمال الناس وتصرفاتهم ، وفي تقويم أدائهم لما أؤتمنوا عليه من أمانات ..وهذه وظيفة الصفوة من خلق الله ولذلك كانت مهمة الأنبياء إصلاح فساد الناس في عقائدهم وأخلاقهم وتصرفاتهم .. وإن كان في هذا الجانب تبرز أهمية تبني الحاكم لهذا الأمر وتوجيهاته الحاسمة والمؤكدة بل ومتابعته للأمر .. فكما هو معلوم أن الله تعالى يصلح بالسلطان وقوته ما لا يُصْلَح به مواعظ القرآن والتوجيه والإرشاد .. فحري بالمجتمع قاطبة أن يستجيب لهذه الدعوة ويكون على رأس المستجيبين لذلك كل من وقع ويقع في فساد وإخلال ـ بقصد أو بدون قصد ـ فكل البشر خطاء ، وليجتهد المصلحون ومن يريدون للمجتمع حياة طيبة إلى نشر الفضائل والقيم السامية التي دعا إليها الإسلام وليحذروا من الرذائل وما جاء الإسلام بالنهي عنه .. وإذا جاء ذكر (المصلحين) فإنه يتبادر إلى الذهن أنهم هم الموصوفون بالحرص على حياة الناس الحياة الطيبة  ، همهم الأعظم هو أن يعافى المجتمع ، وينعم أهله بالخير ويتفيأوا ظلال ما تثمره أعمالهم الطيبة وبعدهم عن الفساد والإفساد .. وبالتالي فإنهم هم البعيدون عن تسييس القضايا وجعلها في نطاق ضيق .. فإنه قد بات من المعلوم أن بعض الجهات الحزبية ترى أن نصرة أحزابها تكون بأن تزداد الأخطاء وتنتشر ، ويكثر الفساد وأهله ، حتى تتحقق لهم أهدافهم التي يرون أنها لن تتحقق إلا بذلك .. في برهان واضح منهم يبين أن أهدافهم وغايتهم هي (مصالحهم الخاصة) وليست مصلحة مجتمعهم .. وأنى لأولئك أن يكونوا من (المصلحين) بل إن نيتهم هذه وقد يتبعها أفعال هي من أبرز صور الفساد الذي يجب حربه ..
ولا تخفى الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الفساد والظلم وإقامة العدل وبيان آثار ونتائج ذلك كثيرة جداً قال الله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه سبحانه وفي حق عباده ، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة ، ويعامل الخلق بالعدل التام ، فيؤدي كل والٍ ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى ، وولاية القضاء ونواب الحاكم ، ونواب القاضي وغيرهم .والعدل واجب ، والظلم من أعظم الفساد ، والإحسان فضيلة مستحبة وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم ، وبالبغي هو كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض ، وهو من الفساد .
وهذه الآية كما بين المفسرون آية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها.ولقد حفلت السيرة النبوية الشريفة وسيرة الخلفاء الراشدين بالنصوص الكثيرة والنماذج العديدة لإيقاف المفسدين والمعتدين عند حدهم ، بل وجعلهم عبرة للآخرين .. وهذا من أبرز أسباب طهر المجتمع وصلاحه ، لقد منع النبي عليه الصلاة والسلام من أخذ من الغنيمة قبل قسمتها منعه منها وحكم عليه بسبب تعجله وأخذه للغلول ، وقصة ابن اللتبية معروفة مشهورة ، وأضعف الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها وقال في تارك الزكاة إنا آخذوها منه وشطر ماله ، وأمر بكسر جرات الخمر ، ومنع القاتل من الميراث ، وغير ذلك من الأساليب الحاسمة التي ناسب تشريعها أحوال الناس ، كسرت بها ما بالنفس من حب للدنيا وحرص عليها ، وإضاعة لحقوق الآخرين وتعدٍّ عليها بسبب ذلك .. وإن حرب الفساد وإعلان ذلك على الأشهاد وتفويض جهات مختصة به ، هو من النهي عن المنكر الذي هو من أسباب خيرية هذه الأمة ، ومن أهم عوامل تميزها عن الأمم السابقة .. فليجتهد الجميع في هذا الأمر ، وليحارب الفساد بشتى صوره وأنواعه وأنواع الواقعين فيه ، وليقلل منه كل من يستطيع ذلك بالوسائل المشروعة .. لننعم ونعيش في خير وعافية .. ولتحفظ الحقوق ولتؤدى إلى أهلها ..   وإن من أهم المهمات في محاربة الفساد أن يرى الناس تطبيقاً عملياً ، طالما أن الفساد المالي وعلى مستوى كبير متحقق وموجود كما نسمع ؛ فإن المنتظر هو البيان بالعمل لذلك ؛ نعم البيان العملي ، وفي ظني أن الأهم في ذلك هو النتائج النهائية والمحصلة المتحققة بعد إكمال حيثيات أي قضية من قضايا الفساد ، فالواجب الكتمان حتى تظهر النتائج (الصحيحة) و(الواقعية) و(النهائية) ويصدر الحكم ، وتتبعه آثاره من رد الحقوق إلى أهلها وتجريد المفسدين مما نهبوا وبالعاميّة السودانية (لهطوا). وإن من مهمات محاربة الفساد سؤال من ظهرت عليهم مظاهر الثراء بما لا يتناسب مع دخلهم ووظائفهم المعروفة ، وقد سأل النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي جاءه وقال : (هذا لي و هذا لكم ) وجاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام : (فإن سئل : من أين لك هذا ؟ قال : أهدي لي !! فهلا إن كان صادقاً أهدى له و هو في بيت أبيه أو أمه) ثم قال : (لا أبعث رجلاً على عمل فيغتل منه شيئا ًإلا جاء به يوم القيامة على رقبة بعير له رغاء أو بقرة تخور أو شاة تيعر ثم قال : اللهم ها بلغت) وهو حديث صحيح وهذه رواية لابن خزيمة.. فتطبيق هذا المبدأ من ضرورات محاربة الفساد .. ومن أهم أسباب خوف الفاسدين.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

800 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search