د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

ذَوْبُ العسل بِشَوْبِ البصل

وبأسلوب مناسب يقبله المعنيّون بالنصح وغيرهم، وكاتب المقال هو الأخ عمر حسن العبادي، وفقه الله تعالى وبارك في قلمه، وقد رغبت في اطلاع قراء عمود (الحق الواضح) على المقال إذ قال كاتبه:
(في الحديث الصحيح المشهور (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وبحمد الله في بلدي السودان من مكارم الأخلاق ألوان وألوان مما لم يوفق لها كثير من الشعوب والبلاد والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
من مكارم الأخلاق في بلادنا (النجدة)، و (الجود) و (سماحة النفس) في مجالات كثيرة من أظهرها إطعام الطعام، حتى قال شاعرنا محمد عمر البنا رحمه الله:
رفاق الضيف أنى حل هبوا
لهم للضيف ضمٌّ والتزام
إذا نحروا العشار مودعاتٍ
فلا منٌّ بذاك ولا كلام
وصدق في شعره كل الصدق، وشواهد الواقع جلَّت عن الحصر . ولو رأى قومي حسان لعلم أنهم أحق بقوله:
يغشون حتى ما تهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
ومن مظاهر هذه الخصلة النبيلة، حرص الناس على إفطار ابن السبيل في رمضان في المدن والقرى وفي الطرق السفرية، ولا أظن أحداً يقرأ هذه الحروف إلا وله تجربة مع (قطاع الطريق) في رمضان من إخوان حاتم الطائي وسعد بن عبادة الخزرجي.
قبل رمضان بأيام رأيت أحد الشباب يرتدي شعار منظمة جديدة ويحمل صندوقاً يتكفف الناس في إشارات المرور يدعوهم للتبرع لإعداد إفطار الصائم لمن يدركهم الإفطار في الطريق، ولاحظت أنه بارع في الاستجداء والإقناع بصورة جعلتني أظن أنه تلقى تدريباً لهذه المهمة.
قلت في نفسي: يا هذا إن أهل هذه المكرمات كانوا يذبحون للضيف الحلوب، ويطعمونه قوت العيال ثم يطوون جائعين مغتبطين هم وصغارهم .
كانوا يكرمون ضيفهم ويتعففون ولا يتكففون.
ولو أضافوك وذهبت تبذل لهم عوضاً لرأيت حماليق أعينهم تدور غضباً، ورأوا أنك بلغت الغاية في إهانتهم. ما أحسن مكارمهم و آدابهم (الجود بالموجود) و (عيب الزاد ولا عيب سيدو) و (بليلة مباشر ولا ضبيحة مكاشر) .
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله
وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
ولا يحسب التمتام أني هجوته
ولكنني فضلت أهل المكارم
ثم جاء شهر رمضان، ولأن من أُخذ بالموت رضي بالحمى، ولأن الجذام يُنسي الزكام، فقد هان في نفسي هذا المنظر الذي كرهته، وتصاغر عندي هذا الذي أنكرته بالنسبة لما حكاه لي أحد الأصدقاء الفضلاء.
حدثني أنه أدركه الإفطار في الطريق هو وغيره من أصحاب السيارات فاستوقفهم (شباب النجدة) ـ وهي منظمة جديدة ــ يحملون الإفطار للسائقين من الطعام والشراب، لكن للأسف الشديد كان فريقهم مكوناً من شباب وشابات، كل شاب وشابة يعملان معاً!!!
يقول محدثي: من فرط الاستياء من المنظر رفضت أن أتناول منهم أي شيء.
ذكرت مبالغة جداتنا في مدح من يرضين خلقه وشمائله بأنه (عشا البايتات ومقنع الكاشفات). وأنه (أخو الفرسان في الخلا، وأخو البنات في الضرا ).
وهي كلمات بليغة موجزة اختزلت المكارم والرجولة، لتجعل الكرم والرجولة وحفظ الأعراض منظومة أخلاق متكاملة لا انفصام بينها، وتجعل أهل إطعام الطعام والجود هم نفسهم الذين يحفظون الأعراض ويحرصون على ستر الحريم وإكرامهن وصونهن في البيوت.
إن سلوك (شباب النجدة) منكر شرعي قبل أن يكون نشازاً وأجنبياً عن مجتمعنا، فالله خاطب أمهات المؤمنين ــ ونساء المؤمنين لهن تبع ــ فقال: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى).
وبدون مواربة أقول لهم: إن جعل الفتيات واجهة للترويج لسلعة ما أو خدمة ما أو نشاط ما، ليس من ديننا ولا أخلاقنا ولا عرفنا، بل هو من أخلاق الغربيين الذين غرقوا في الدياثة حتى الآذان ولا يكادون يعرفون معنى الغيرة على الأعراض.
عفوا يا (شباب النجدة) اتركوا هذا الاسم لمن يستحقه، ودعوا الصائمين يصلون وجهاتهم ويفطرون متأخرين خمس أو سبع دقائق لن يموتوا جوعاً و لا عطشاً، فهذا أفضل بكثير من جرعات مشروباتكم الهنيئة الباردة الممزوجة بقواتل النخوة والرجولة والغيرة على الأعراض.
عفواً.. لا تسقونا ذَوْبَ العسل بشَوْبِ البصل) انتهى.
أرجو أن يجد هذا النصح الأمين الكريم الذي جاد به على بني قومه الأخ عمر العبادي أذناً صاغية، والموفق من وفّقه الله.

 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search