د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

ذو الوجـــــهين

أردت بهذا المقال أن أقف مع أمر يقع فيه كثير من الناس، وهو مرض من أمراض القلوب بحاجة إلى مداواة ومعالجة، إنه شعبة من شعب النفاق ؛ إذ يلقى بعضُ الناس بعضَهم بوجه ويقرونهم على ما هم عليه من المنكر والباطل الذي يرونه، ويكونون كذلك مع الطائفة الأخرى التي هي نقيض تلك. وإن من مظاهر هذه الشخصيات المتلوّنة أنهم يلقون بعض الناس بوجه ثم إذا أعرضوا عنهم كان وجههم نقيض ذلك الوجه الذي لقوهم به.
ورد في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال : قال النَّبِى صلى الله عليه وسلم : (تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ ) بروايات عديدة..
وإسهاماً في التذكير بعلاج هذه الظاهرة التي توصل أصحابها إلى وعيد عظيم وعقاب أليم، أضع بين يدي قراء عمود "الحق الواضح"، بعض عبارات العلماء في شرح هذا الحديث العظيم :
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح البارئ شرح صحيح البخاري : (ووصفه بكونه شر الناس أو من شر الناس مبالغة في ذلك ورواية أشر الناس بزيادة الألف لغة في شر يقال خير وأخير وشر وأشر بمعنى، ولكن الذي بالألف أقل استعمالاً ويحتمل أن يكون المراد بالناس من ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهراً فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه الفريقين ليطلع على أسرارهم فهو شرهم كلهم والأولى حمل الناس على عمومه فهو أبلغ في الذم، بلفظ من شر خلق الله ذو الوجهين، قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس، وقال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود. وقال غيره الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى ويذم كل طائفة عند الأخرى والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى وينقل إليها ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح ..)
وقال ابن بطال المالكي في شرحه لصحيح البخاري : (إنه لا يكون عند الله وجيهاً؛ لأنه يظهر لأهل الباطل الرضا عنهم ، ويظهر لأهل الحق مثل ذلك ليرضى كل فريق منهم ويريه أنه منهم وهذه المداهنة المحرمة على المؤمنين). وقال : (وذو الوجهين بخلاف هذا؛ لأنه يقول الشيء بالحضرة، ويقول ضده في غير الحضرة، وهذا تناقض ..) وقال : (يريد أنه يأتي إلى كل قوم بما يرضيهم كان خيراً أو شراً، وهذه هي المداهنة المحرمة، وإنما سمي ذو الوجهين مداهناً ؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم راضٍ فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبشر، وكذلك يظهر لأهل الحق أنه عنهم راضٍ وفى باطنه أن هذا دأبه في أن يرضي كل فريق منهم ويريهم أنه منهم، وإن كان في مصاحبته لأهل الحق مؤيداً لفعلهم، وفي صحبته لأهل الباطل منكراً لفعلهم ، فبخلطته لكلا الفريقين وإظهار الرضا بفعلهم استحق اسم المداهنة للأسباب الظاهرة عليه المشبهة بالدهان الذي يظهر على ظواهر الأشياء ويستر بواطنها، ولو كان مع إحدى الطائفتين لم يكن مداهناً، وإنما كان يسمى باسم الطائفة المنفرد بصحبتها. وقد جاء في ذي الوجهين وعيد شديد. فينبغي للمؤمن العاقل أن يرغب بنفسه عما يوبقه ويخزيه عند الله - تعالى). وقال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار : (قال أبو عمر هذا الحديث ليس للقول فيه مدخل لأن معناه لا يشكل على سامعه) ..ومن هذا المعنى قول الشاعر :
إن شر الناس من يشكرني حين يلقاني وإن غبت شتم).
وقال المناوي في فيض القدير في شرح الحديث : (قال النووي : وهو الذي يأتي كل طائفة بما تحب فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه خداع ليطلع على أحوال الطائفتين).
وقال ابن العربي : الوجه هنا بمعنى القصد (يأتي يوم القيامة) أي يجاء به إلى الموقف (وله وجهان من نار) جزاء له على إفساده وتشهيراً له في ذلك الموقف الأعظم بين كافة الخلائق فإن ذلك أصل من أصول النفاق يكون مع قوم وفي حال على صفة ومع آخرين بخلافهما والمؤمن ليس إلا على حالة واحدة في الحق لا يخاف في الله لومة لائم إلا إن كان ثمة ما يوجب مداراة لنحو اتقاء شر أو تأليف أو إصلاح بين الناس كإتيانه كلا بجميل يعتذر لكل عن الآخر فإنه حسن مرغوب فيه).
قلتُ : من الآفات في مجتمعنا انتشار المجاملات التي تمنع من قول الحق والصدع به، والتي تعيق النصيحة التي يفيد منها المنصوح قبل الناصح ، فأثّرت المجاملات والعاطفة التي تضيع معها الحقوق في الصّراحة التي يصح بها الصحيح ويحق بها الحق ويبطل بها الباطل، إلا من رحم الله..  وبالتالي كثرت الأخطاء وزاد الغي وانتشر العي لدى كثيرين بسبب عدم الصراحة والوضوح في بذل النصح وتوضيح الحق والجرأة فيه بضوابطه الشرعية المعلومة .
والمصيبة الكبرى أن يجهر صاحب الباطل بباطله ويطأطئ صاحب الحق رأسه ويداهن ويجامل ولا ينصح في وقت لا يجوز فيه تأخير النصح والبيان عن وقت الحاجة.. وقد أصبح الكثيرون يستغربون من صدع بعض الناس بين أهلهم وفي أسرهم بالحق وبالنصيحة وبات التلوّن وتعدّد الوجوه سمة عادية للأسف .. وهو مرض خطير وداء عضال وجب التنبيه عليه والتحذير من خطورته على الواقع فيه وعلى المجتمع..
 والله المستعان ..
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search