د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

ختان الإناث (السُنَّة)

لأتباع المذاهب الأربعة، بل يزداد عجبك عندما تعلم أن ختان الإناث قد نقل أئمة فحول (الإجماع) على مشروعيته، حيث أوجبه بعض أهل العلم واستحبه آخرون، وفرقٌ كبيرٌ بات يعلمه الصغير قبل الكبير بين الختان الذي شرعته الشريعة والمعروف بـــ (السنة) والختان المعروف بـــ (الفرعوني)، وإن من لم يفرّق بينهما كمن لا يفرّق بين التمر والجمر!! وإن خلط بعض الجهات والمؤسسات وبعض الناس بين النوعين، والدعوة التي تظهر علينا بين حين وآخر برفض كل أنواع ختان الإناث هي دعوة مرفوضة غير مقبولة ومردودة على أصحابها، والحمد لله الذي أكرمنا بالاتباع لهذه الشريعة السمحة، وأكرمنا بالوقوف عند توجيهاتها، وأكرمنا بالسير على خطى أئمتنا العلماء الراسخين في ما وافقوا فيه الحق، فإنهم أئمة هدى ومصابيح دجى، ونحن بتوفيق الله نكون ممن اتبعوهم بإحسان. وإذا كان مذهب بلدنا هو المذهب المالكي فلنقف على قول الإمام مالك والمالكية في ختان الإناث (السنة)، فإن الشعوب المسلمة في العالم نراها تضبط أقوال أئمة مذاهبها وهو أمر نفتقده في بلادنا، وقد تحدثت عنه بتفصيل في مقال (رصيدنا من المذهب المالكي).
لأهمية هذا الأمر ولإسكات بعض أصوات النشاز التي تدعو إلى رفض ختان الإناث دون تفريق، أضع بين يدي القراء هذه الخلاصة، وهي منتقاة من بحث مميز بعنوان (عون المستغاث في قضية ختان الإناث) كتبه الأخ الشيخ طه الطيب المحجوب الزياتي وهو بحث مميز في هذا الموضوع، والأخ طه من خيرة من عرفت من الباحثين المجوّدين، أسأل الله تعالى له التوفيق والسداد.
أدلة مشروعية ختان الإناث
الدليل الأول: ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ».
أخرجه البخاري في صحيحه (7/ 160)، (رقم: 5889)، ومسلم في صحيحه (1/ 221)، (رقم: 257).
فهذا الحديث يدل على مشروعية الختان للرجال والنساء على حدٍّ سواء. وقد تقرر في علم الأصول: أن الدليل العام يعم الرجال والنساء إلا ما دل الدليل على اختصاصه بالرجال أو اختصاصه بالنساء. ومن أدعى أنه خاص بالرجال عليه أن يأتي بالدليل ودونه خرط القتاد. وقد أورد العلماء هذا الحديث ضمن أدلة الختان للرجال والنساء.
الدليل الثاني: ما جاء عن الضحاك بن قيس ــ رضي الله عنه ــ قال: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ عَطِيَّةَ تَخْفِضُ الْجَوَارِي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أُمَّ عَطِيَّةَ: اخْفِضِي، وَلاَ تَنْهِكِي؛ فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ، وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ».
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (رقم: 6236)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/ 562)، (رقم: 17561)، والطبراني في "المعجم الكبير" (8/ 299)، (رقم: 8137)، وغيرهم.
والحديث له طرق وشواهد كثيرة عن جمع من الصحابة، فلذلك صحَّحه الألباني في "الصحيحة" (رقم: 722)، فقال: (قلتُ: وبالجملة؛ فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيحٌ، والله أعلم)اهـ.
فهذا الحديث صريح الدلالة على مشروعية ختان النساء؛ حيث أمر النبي عليه الصلاة والسلام أم عطية بالختان ونهاها عن الإنهاك في القطع.
ووجه الدلالة من الحديث: هو أن قوله: (اخفضي) فعل أمر، والأمر يقتضى الوجوب، كما هو متقرر في محله من كتب علم الأصول.
الدليل الثالث: الإجماع:
لقد نقل عدد من العلماء الإجماع على مشروعية ختان الإناث، منهم ما يلي:
يقول ابن هبيرة الحنبلي في "اختلاف الأئمة العلماء" (1/ 342): (اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق الأنثى مشروع).
ويقول ابن قَيِّم الْجَوْزِيَّة في "تحفة المودود بأحكام المولود" (ص: 134): (قلتُ: لا خلاف في استحبابه للأنثى، واختلف في وجوبه).
ويقول ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري"(1/ 372): (وختان المرأة مشروع بغير خلاف).
كلام فقهاء المذاهب الأربعة في مشروعية ختان الإناث
أولاً: كلام فقهاء الحنفية
1/ يقول السرخسي الحنفي في "المبسوط" (10/ 156): (الختان سنة، وهو من جملة الفطرة في حق الرجال لا يمكن تركه، وهو مكرمة في حق النساء أيضاً).
2/ ويقول أبو الفضل الدلبحي الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (4/ 167): (والختان للرجال سنة وهو من الفطرة، وهو للنساء مكرمة).
3/ ويقول ملا خسرو في "درر الحكام شرح غرر الأحكام" (2/ 377): (أي الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء لأنها تكون ألذ عند المواقعة).
4/ ويقول ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (7/ 96).- عن الختان-: (سنة للرجال مكرمة للنساء، إذ جماع المختونة، ألذ قال الحلواني كان النساء يختتن في زمن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم –").
ثانياً: كلام فقهاء المالكية
1/ يقول الإمام مالك: (من الفطرة ختان الرجل والنساء). نقله ابن عبد البر في "التمهيد" (21/ 61) من رواية ابن القاسم عن مالك.
2/ ويقول الخرشي في "شرح مختصر خليل" (3/ 48)- متكلماً عن الختان-: (وحكمه السنية في الذكور وهو قطع الجلدة الساترة، والاستحباب في النساء ويسمى الخفاض، وهو قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج، ولا ينهك).
3/ ويقول الزرقاني في "شرحه على مختصر خليل" (3/ 83): (والراجح أن ختن الذكر سنة، وأما خفاض الأنثى؛ فمستحب).
4/ ويقول الدردير في "الشرح الكبير" (2/ 126): (وأما خفاض الأنثى؛ فمندوب، ويندب ألا تنهك، أي لا تجور في قطعها الجلدة).
5/ ويقول عليش في "منح الجليل شرح مختصر خليل" (2/ 492): (والراجح أن ختن الذكر سنة، وخفض الأنثى مستحب، أي قطع جزء من الجلدة بأعلى الفرج ولا تستأصل).
ثالثاً: كلام فقهاء الشافعية
1/ يقول الجويني في "نهاية المطلب في دراية المذهب" (17/ 354): (الختان واجب عند الشافعي في الرجال والنساء).
2/ ويقول العمراني في "البيان في مذهب الإمام الشافعي" (1/ 95): (ويجب الختان في حق الرجال والنساء).
3/ ويقول النووي في "المجموع شرح المهذب" (1/ 300): (الختان واجب على الرجال والنساء عندنا، وبه قال كثيرون من السلف، كذا حكاه الخطابي، وممن أوجبه أحمد).
4/ ويقول الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج" (5/ 539): ("ويجب ختان المرأة بجزء" أي قطعة "من اللحمة" الكائنة "بأعلى الفرج" وهي فوق ثقبة البول تشبه عرف الديك، فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة، ويكفي قطع ما يقع عليه الاسم).
5/ ويقول ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (9/ 198): (ويجب أيضاً "ختان" المرأة والرجل).
6/ ويقول جلال الدين المحلي في "شرحه على منهاج " (4/ 211): ("ويجب ختان المرأة" بجزء أي بقطع جزء "من اللحمة بأعلى الفرج والرجل بقطع ما يغطي حشفته" حتى ينكشف جميعها).
رابعاً: كلام فقهاء الحنابلة
1/ يقول ابن قدامة في "المغني" (1/ 64): (ويشرع الختان في حق النساء).
2/ ويقول الحجاوي في "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل" (1/ 35): "ويجب ختان ذكر وأنثى عند بلوغٍ ما لم يخف على نفسه، وللرجل إجبار زوجته المسلمة عليه).
3/ ويقول ابن النجار الحنبلي في "منتهى الإرادات" (1/ 15): (ويجب ختان ذكرٍ وأنثى).
4/ ويقول البهوتي في "الروض الْمُرْبِع" (ص: 25): ("ويجب الختان" عند البلوغ "ما لم يخف على نفسه" ذكراً كان أو خنثى أو أنثى).
قلتُ : كما قيل (لو سكت من لا يعلم لقلَّ الخلاف)، أرجو أن يفيد نشر هذه المعلومات كثيراً ممن أدخلوا أنفسهم في هذه القضية بغير علم، وقاتل الله الجهل فإنه عدو الإنسان.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

433 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search