د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

حــــادثــــــــــة المَسَــــــــــلـــَمِيــــــَّة

بينهم امرأة في السبعين من عمرها، والحادثة بألمها الشديد تلخّص مآل ومصير ونهاية متعاطي المخدرات!!
يا لها من مصيبة كبيرة وفاجعة عظيمة، لم يكن يعرفها من ذي قبل أهل السودان عموماً، ولا تخطر ببال أهل الجزيرة خصوصاً.. فهم أهل الطِيبة والكرم والعفوية وروعة السجيّة وحسن المعشر، وشهادتي فيهم مجروحة، فإنا نعلم عنهم أنهم يقطعون أعز ما يملكون ليجودوا به على من لا يعرفون.. هم بهذا الحال حتى رأوا أحد أبنائهم وبسبب السرطان والطاعون المدمّر (المخدرات) حتى شابت له رؤوس صبيانهم .. وإنا لله وإنا إليه راجعون. وإني أسأل الله أن يرحمهم ويغفر لهم ويسكنهم أعلى الجنان ويحسن عزاء أهلهم وذويهم وجيرانهم.
والشكر بعد شكر الله تعالى لشرطة ولاية الجزيرة، على الإنجاز الذي تحقّق على يديها بتوفيق الله تعالى في وقت وجيز، فتم القبض على الجاني، وهو أحد ضحايا (المخدرات)!! وهذا هو دأب شرطة بلادنا بولاياتها المختلفة في الفترة الأخيرة، أنها بفضل الله تعالى لا تعرف بلاغاً يدوّن ضد مجهول، وهذا من توفيق الله تعالى، ثم الجهود المبذولة في الشرطة، بما يستحق أن تسجّل لهم به أصوات شكر، ولا يتوقّف الدعاء لهم بالحفظ والتسديد والتأييد والتوفيق ومضاعفة الثواب.
الحادثة ببشاعتها وما تركته من فجيعة في قلوب أهل مجتمعنا على اختلاف جهاتهم وأعمارهم، تؤكد وجوب دقّ جرس الإنذار في مجتمعنا بانتشار هذا (الطاعون المدمّر) الذي خرجت التقارير الرسمية وهي تفيد بانتشار المخدرات في الجامعات ودور التعليم، بل كانت في صفحات التقارير الإشارة إلى أن بعض الفتيات والطالبات يتعاطين المخدرات.
ولا يخفى أن عملية ترويج المخدرات تدار عبر شبكات تعلم واجبها وهدفها وتتقن وسائلها وتجتهد لتنفيذ جرائمها، ويساعدها في ذلك تفريط بعض الأُسر وعدم قيامها بالدور الواجب عليها في تربية أبنائها وفتياتها، والواقع يشهد ببُعد كثير من الآباء عن متابعة أبنائهم وغفلتهم عن إدراكهم للدور المنوط بهم .. وهذا يجتمع مع تفريط يلبس بثوب العفوية والثقة الزائدة وحسن الظن الذي يجب أن يكون معه يقظة وتنبه، ومما يساعد في ترويج المخدرات وزيادة أعداد المصطادين في شباكها ضعف عناية كثير من دور التربية والتعليم في مدارس التعليم العام في مرحلتي الأساس والثانوي والتعليم العالي، ضعف عنايتهم بالتحذير من المخدرات وكشف السبل الموصلة إليها وتوضيح أضرارها، وقد يتحدث كثير من المدرسين والمدرسات في قضايا عديدة إلا أن هذا الجانب يغفلون عنه، وقد يكون بعضهم ليس لديه من التصور والمعرفة بأبعاده وسعة انتشاره في مجتمعنا ما يجعله محل عناية عنده.
ونحن في زمان تأثير وسائل الإعلام وخاصة القنوات الفضائية التي لا يغفل دورها في زماننا هذا في سرعة نشر المعلومات وتشكيل القناعات، ومع ذلك فالعناية ضعيفة في ما يتعلق بالتوعية في هذا الجانب، والجهود المبذولة فيه لا تتناسب وحجم الكارثة والمصيبة التي تجتاح مجتمعنا، فـــ (البنقو) أصبحت رائحته تُشم في كثير من الأحياء في ساعات متفاوتة من النهار والليل، وشباب في الخامسة عشرة من عمرهم أو أقل من ذلك وقعوا في إدمانه، وطلاب بالعشرات يرتادون مستشفيات معالجة الإدمان، وعند النظر إليهم يستغرب من صغر سنهم وغفلتهم، ويتأسى على أسرهم التي تعبت فيهم من جهة وفرّطت بجهة أخرى، ومع ذلك فبعض وسائل الإعلام همها الإثارة وجذب المشاهدين، وأحياناً يستضاف فيها الدّجّالون والمشعوذون والمفترون على الله وشرعه الكذب، ومادة كثير من هذه القنوات الرئيسة هي الغناء والطرب وجمع المغنين والمغنيات وتشجيعهم على الفن الذي يدعى فيه للصلات المحرّمة وهو كما وصفه أئمة الإسلام : (بريد الزنا)، والداعي للشهوات بأنواعها، والصاد عن كتاب الله تعالى، وكتاب الله من أعظم ما يعصم الله به عبده وأمته من المحرمات ومنها المخدرات.
إن تضييع الأمانة؛ أمانة الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهذه هي الضرورات الخمس، لهو أمر خطير، ومؤسف أن تضييع كل هذه الأنواع من الضرورات أصبحنا نطلع عليه في الصحف بين وقت وآخر، وقد ينشغل محللون ويكتب كتّاب ويستضاف في برامج متحدثون، وتكلّف جهات بإعداد تحليل وتقريرات .. وهؤلاء وغيرهم يجب عليهم أن يدركوا أن حل كل هذه الإشكالات في (إصلاح المعتقد) بغرس العقيدة الصحيحة وتنحية العقائد الباطلة وتقوية الإيمان وتربية الناس ــ كباراً وصغاراً ــ عليه.
وإن الفساد في العقيدة هو أصل كل فساد!! فأساس الصلاح والإصلاح صحة المعتقد وتحقيق الخوف من الله وتعظيمه والإيمان بأسمائه وصفاته وربوبيته ومُلكِه لهذا الكون، وعبادته وحده لا شريك له، والخوف من أليم عقابه والرجاء لحسن جزائه، وبمراقبته سبحانه، والخوف من المصير في الآخرة، وهذا وازع مهم في الحدّ من الجريمة والإفساد في الأرض، وهو ما يعرف بــ (الرقابة الذاتية) ولو أقلع متعاطي ومدمن المخدرات لما وجد المروّج سوقاً!! فإن صدقنا في أنا ننشد العلاج الناجع فلنجتهد في تربية أنفسنا ومن حولنا على مراقبة الله تعالى والخوف منه واليقين بأنه يطلع علينا ولا تخفى عليه منا خافية (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) (أحصاه الله ونسوه) (يعلم السر وأخفى)، فسبحان من وسع سمعه الأصوات ولا تخفى عليه من خلقه الخفيات.
وعلينا بمضاعفة الجهود بعد الاستعانة بالله تعالى لمحاصرة طاعون المخدرات، حتى لا تتكرر مثل هذه الفجائع الفظائع، والله المستعان.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search