د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

حرب الفاسدين من أوجب حقوق المحكومين

في تعدادهم لواجبات الحاكم تجاه محكوميه بيّن أهل العلم، إن إقامة العدل بين الرعية وردع الظالمين والمفسدين وحرب الفساد هي من آكد وأوجب تلك الواجبات، وفي مقالات سابقة نقلتُ حقوق الحاكم على رعيته والواجب عليهم تجاهه، وقد أجاد العلامة ابن جماعة الكناني رحمه الله في عدّها وتبعه في ذلك علماء كثيرون ممن كتبوا في هذا الشأن.
وتأتي مناسبة ذكر هذا الأمر في هذه الأيام للجهود المبذولة في هذه الأيام وعلى أرض الواقع بتنفيذ عملي بالقبض على بعض من وقعوا في مستنقعات عمليات فساد مالي تم بها اختلاس المال العام وتضرّرت بسبب ذلك البلاد وهي في أشد المعاناة في الجانب الاقتصادي، وهذه الإجراءات بما حملته الأخبار في الفترة القريبة والأيام الماضية وجدت القبول لدى عامة هذا الشعب الصابر على آلامه وجراحاته.
لن نجد مجتمعاً صحيحاً سليماً في كل تصرفاته وقيامه بأداء ما أؤتمن عليه، فطالما أن هناك الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والهوى والتقليد الأعمى وقبل ذلك الجهل .. طالما وجدت هذه الأمور وما شابهها، فالخطأ وارد على هذا الإنسان .. ويبقى دور المصلحين في إصلاح ما يفسد في أعمال الناس وتصرفاتهم، وفي تقويم أدائهم لما أؤتمنوا عليه من أمانات ..وهذه وظيفة الصفوة من خلق الله ولذلك كانت مهمة الأنبياء إصلاح فساد الناس في عقائدهم وأخلاقهم وتصرفاتهم.. وإن كان في هذا الجانب تبرز أهمية تبني الحاكم لهذا الأمر وتوجيهاته الحاسمة والمؤكدة، بل ومتابعته الدقيقة للأمر .. فكما هو معلوم، أن الله تعالى يصلح بالسلطان وقوته ما لا يُصْلَح به مواعظ القرآن والتوجيه والإرشاد ..
فحريٌ بالمجتمع قاطبة أن يستجيب لخطوات مكافحة الفساد، ويكون على رأس المستجيبين لذلك كل من وقع ويقع في فساد وإخلال بقصد أو بدون قصد فكل البشر خطاء، وليجتهد المصلحون ومن يريدون للمجتمع حياة طيبة إلى نشر الفضائل والقيم السامية التي دعا إليها الإسلام وليحذروا من الرذائل وما جاء الإسلام بالنهي عنه .. وإذا جاء ذكر (المصلحين) فإنه يتبادر إلى الذهن أنهم هم الموصوفون بالحرص على حياة الناس الحياة الطيبة، همهم الأعظم هو أن يعافى المجتمع، وينعم أهله بالخير ويتفيأوا ظلال ما تثمره أعمالهم الطيبة وبعدهم عن الفساد والإفساد، وبالتالي فإنهم هم البعيدون عن تسييس القضايا وجعلها في نطاق ضيق.. فإنه قد بات من المعلوم أن بعض الجهات الحزبية ترى أن نصرة أحزابها تكون بأن تزداد الأخطاء وتنتشر، ويكثر الفساد وأهله، حتى تتحقق لهم أهدافهم التي يرون أنها لن تتحقق إلا بذلك .. في برهان واضح منهم يبين أن أهدافهم وغايتهم هي (مصالحهم الخاصة) وليست مصلحة مجتمعهم وبلدهم.. وأنى لأولئك أن يكونوا من (المصلحين) بل إن نيتهم هذه وقد تتبعها أفعال هي من أبرز صور الفساد الذي يجب حربه ..
ما أكثر الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن الفساد والظلم ووجوب إقامة العدل وبيان آثار ونتائج ذلك كثيرة جداً قال الله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ". فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه سبحانه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل والٍ ما عليه تحت ولايته سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الحاكم، ونواب القاضي وغيرهم .والعدل واجب، والظلم من أعظم الفساد، والإحسان فضيلة مستحب وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، والبغي هو كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض، وهو من الفساد .
وهذه الآية كما بين المفسرون آية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبقِ شيء إلا دخل فيها.
ولقد حفلت السيرة النبوية الشريفة وسيرة الخلفاء الراشدين بالنصوص الكثيرة والنماذج العديدة لإيقاف المفسدين والمعتدين عند حدهم، والمبالغة في زجرهم، بل وجعلهم عبرة للآخرين .. وهذا من أبرز أسباب طهر المجتمع وصلاحه، لقد منع النبي عليه الصلاة والسلام من أخذ من الغنيمة قبل قسمتها منعه منها وحكم عليه بسبب تعجله وأخذه للغلول، وقصة ابن اللتبية معروفة مشهورة فيها دروس وعبر في التوجيه ومعالجة الخطأ، وأضعف النبي صلى الله عليه وسلم الغرم على كاتم الضالة عن صاحبها، وقال في تارك الزكاة إنا آخذوها منه وشطر ماله، وأمر بكسر جرات الخمر، ومنع القاتل من الميراث، وغير ذلك من الأساليب الحاسمة التي ناسب تشريعها أحوال الناس، كسرت بها ما بالنفس من حب للدنيا وحرص عليها، وإضاعة لحقوق الآخرين .. وإن حرب الفساد وإعلان ذلك على الأشهاد، هو من النهي عن المنكر الذي هو من أسباب خيرية هذه الأمة، ومن أهم عوامل تميزها عن الأمم السابقة .. فليجتهد الجميع في هذا الأمر، وليحارب الفساد بشتى صوره وأنواعه وأنواع الواقعين فيه، وليقلل منه كل من يستطيع ذلك بالوسائل المشروعة .. لننعم ونعيش في خير وعافية ..
وإن من الواجب، بل الواجب العظيم أن تتضافر الجهود للتذكير بخطورة وآثار وجود الفساد وانتشاره في المجتمعات، ولا أعني هنا تضافر جهود الجهات المختصة والمكلفة رسمياً بهذا الشأن فحسب، وإنما تضافر جهود المجتمع بشتى أنواعه، ليساهم على سبيل التمثيل المعلمون والمدرسون وأساتذة الجامعات والوعاظ وخطباء المساجد والكتاب والإعلاميون وسائر المربين وعلى رأسهم الآباء والأمهات وغيرهم بالتوعية بخطر الظلم والفساد، والنصح لمن يقع في ذلك، وتذكيره بما يترتب عليه وعلى المجتمع في العاجل والآجل بسبب ذلك.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search