د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

تأثّر بعض الطلاب والطالبات في عدد من الجامعات بفكر جماعات التكفير

هذا واقع عشناه ونعيشه بين حين وآخر، وقد أبرز هذا السلوك من قبل هؤلاء الشباب والفتيات الذين غُرِّر بهم، أبرز ثغرات كبيرة في مجتمعنا لم تُسَد !! بعضها لم يسد بسبب الغفلة عنها، وبعضها بسبب الجهل بالبيئة التي عاش فيها هؤلاء الطلاب وعدم الانتباه لها، وبعضها بسبب تركيز دعاة ومروجين لهذا الفكر المنحرف وسط هؤلاء الطلاب وانفرادهم بهم وإحاطتهم بالشبهات، دون أن يتصدى لهم أو يكشف مخططهم قبل وقوع الفأس في الرأس.. وغير ذلك.
والواجب المتحتّم الآن هو سد هذه الثغرات، ومعالجة هذا الداء الفتّاك بالعلاج الناجع، فالمرض مشاهد والتشخيص واضح، والعلاج موجود ومتوفّر، لكن يجب أن يكون على يد الطبيب (الثقة) (الحاذق) (الأمين).
إن من الثغرات التي نفذ من خلالها الفكر التكفيري إلى بعض جامعاتنا هو إهمال تدريس مقررات (الدراسات الإسلامية)، وهو ما يعرف في العرف الأكاديمي بــ (المتطلبات)، إذ يلتحق بعض الطلاب والطالبات ببعض الكليات العلمية أو الأدبية والتقنية، ولنقل بصورة أدق (الكليات غير المتخصصة في الدراسات الإسلامية)، ويدرس الطلاب في تلك الكليات العلمية والأدبية والتقنية مقررات في تخصصاتهم فقط، دون أن تتم دراسة مقررات الدراسات الإسلامية وما يصطلح عليه في كثير من الدول العربية والإسلامية بمقررات (الثقافة الإسلامية).
إن كثيراً من الجامعات في العالم العربي والإسلامي تشترط على طالب الاقتصاد واللغة العربية والإدارة والهندسة والطب والصيدلة والمختبرات وغيرها، تشترط عليه دراسة (أربعة مقررات) في الدراسات الإسلامية في ثماني ساعات، ولا يمكن أن يتخرّج الطالب دون دراسة هذه المقررات ونجاحه فيها.
وذلك لأن دور الجامعة في العالم الإسلامي ليس إعداد وتخريج متخصّص في جانب علمي وحسب، وإنما تهيئة شخصية تحمل العلم وتتقن التخصص وتتصف بتحمّل المسؤولية وتنتمي لدينها وعقيدتها وتحرص على خدمة مجتعها وتفخر بهويتها الإسلامية، وبالجملة تقر بعبوديتها لخالقها جلّ وعلا وتجتهد لالتزام ذلك في أعمالها وسلوكها.
هذا من أهم أهداف التعليم العالي في بلاد المسلمين، وهو غاية عظيمة لا يمكن أن تتحقّق إلا بوسائل مناسبة، وهي المقررات التي تراعي في توصيف مفرداتها: ثوابت الدين والعقيدة ومبادئ الإسلام وخصائصه وسماته والمقاصد العامة لتشريعاته وبيان الحقوق والواجبات ومجمل تأريخ الإسلام، (ويبيّن أركان الإيمان وأصول العقيدة والدخول في الإسلام والردّة عنه والتكفير وشروطه وموانعه)، ويبيّن وسمات الفرق الضالة والمنحرفة، وتراعي المقررات الثقافة الإسلامية الضرورية للتخصص كأخلاق المهن الطبية والهندسية على اختلاف وتنوّع التخصصات. والجامعات الموفّقة في هذا الجانب تضع برنامج مراجعة دورياً للمفردات التي تدرّس في هذه المقررات ومستجدات العصر، وما برز من قضايا مما يحتاج معالجة وبيان الموقف الصحيح منه.
هذه المتطلبّات هي جزء من واجب الجامعات والجهات القائمة على التعليم العالي، تجاه المجتمع وتجاه الطلاب وأسرهم وتجاه التخصصات التي تمنح فيها الشهادات، إلا أن المؤسف أن بعض الكليات ليست فيها العناية بهذا الجانب الضروري، كما أن بعض الجامعات تجعلها في مقرر واحد ودون أن تراعى فيه أولويات ما يجب تدريسه، كما أن بعض الجامعات قد يكون الخلل فيها في من يقوم بتدريس هذا المقرر الواحد، إذ بعضهم يمكن أن يكون هذا المدرس نفسه هو الثغرة الأكبر!! فإذا كان نصيب الطالب والطالبة في الثقافة الإسلامية في بعض جامعاتنا (لا شيء) أو (شيئاً) إلا أنه لا يكفي، فيبطل (العجب) من تسلّل الفكر التكفيري في بعض جامعاتنا لأنه (إذا عُرف السبب بطل العجب) .. فإن خالي الذهن يدخل فيه ما يرده إذ (صادف قلباً خالياً فتمكنا).. كيف وبعض أولئك الطلاب والطالبات المغشوشين عاش منذ ولادته حتى دخول الجامعة في بلاد غير إسلامية؟!
ومن أسوأ أنواع الجهل أن يحارب بعض الأساتذة وبعض القائمين على بعض الكليات هذه المتطلبات، أو يقوم البعض بالتزهيد في دورها، كما أن من أسوأ الأعمال أن يسند الأمر في تدريس وإعداد هذه المقررات في بعض الجامعات إلى أناس هم من (المتهمين) بالغلو في التكفير!!
وأعجب من ذلك أن تكون ردّة الفعل لظاهرة ذهاب بعض الطلاب والطالبات والتحاقهم بــ (داعش)، أن تكون ردّة الفعل لدى بعض القائمين على بعض الكليات أن يحاربوا أي مظهر إسلامي وحتى حلقات تحفيظ القرآن الكريم، فهؤلاء لا يعرفون الداء ولا الدواء، وهم من أسباب الشرّ، وحالهم يصفه الحديث (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).
أتمنى أن يراجع هذا الأمر بصورة عاجلة، وأنا على يقين أن الأمر لو شارك فيه بعض من لديهم الخبرة السديدة في هذا الجانب ومن لهم المعرفة الدقيقة بواقع مجتمعنا، فإن النتائج والمخرجات وفي وقت وجيز ستكون ــ بإذن الله ــ موفّقة وتقر بها أعين الطلاب وذويهم ومن أراد الخير بالمجتمع. فإن الداء معلوم والدواء كذلك معلوم وموجود.
يتبع إن شاء الله.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search