د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

الفريق جلال كما عرفناه خارج الوطن

*قلت (خارج الوطن) ، ولم أقل (بلاد الغربة) أو (بلاد الاغتراب) كما هو معهود على الألسنة عند الحديث في وصف الحياة والعيش خارج البلاد ، لأن بلاد الحرمين الشريفين لا ينبغي أن توصف بأنها بلد (غربة) ، إذ بها الكعبة المشرّفة ، وهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم ، وبها البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً ، وفيها الأراضي المباركة المقدّسة التي لها التعظيم من كل مسلم ، فيها منى وعرفات ومزدلفة ، ويؤدى فيها الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج ، وبها مهبط الوحي ونزوله ، ومنها بزغت شمس الإسلام وعمّ نوره بلاد الله تعالى شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ، وفيها عاش الرسول المصطفى والنبي المجتبى محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وبها مسجده بالمدينة النبوية حيث الصلاة فيه بألف صلاة مما عداه إلا المسجد الحرام فإنها بمائة ألف صلاة ، وبالمدينة كانت أول دولة في الإسلام وبها تلقى الصحابة الكرام العلم والإيمان من إمام الأنبياء والأتقياء ، وفيها عاش الصديق والفاروق وذو النورين وأبو السبطين رضي الله عنهم وعن بقية الصحابة أجمعين ، فإن بلاداً كهذه لا يناسب وصفها بأنها بلاد أو أرض غربة ، زادها الله تشريفاً وحرسها بعزته وقوته وحفظه وأيّدها بتأييده .
*لقد عشت في مدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية أحد عشر عاماً ، وقد كانت تلك الفترة هي التالية لتخرجي من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، وقد عملت في بعضها مدرساً ومشرفاً تربوياً ، وفي الفترة الأخيرة منها مديراً إدارياً ومالياً لأحد المكاتب الخيرية بها.
*كانت الصلة طيبة بالإخوة الكرام في السفارة السودانية بالرياض على اختلاف وظائفهم ومهامهم ، رغم تغيّر بعضهم لانتهاء فترة عملهم ، وكان بعضهم - من الموظفين - بحكم طبيعة أعمالهم فترة عملهم ممتدة ، منهم الأخ العزيز الصديق الفقيد مأمون الحاج صاحب القلب الطيب والمروءة المشهودة والطيبة المعهودة ، والذي توفي بحادث سير في طريق عودته إلى المملكة بالقرب من مدينة عطبرة ، وكتبت في ذكر بعض جوانب تميّزه التي عرفتها بنفسي مقالاً نشر بهذا العمود عقيب وفاته بأيام – رحمه الله وغفر الله له وبارك في أهله وذريته -.
*وفي تلك الفترة التي قضيتها بمدينة الرياض كان سعادة الأخ الفريق جلال الدين الشيخ الطيب نائب مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني مستشاراً بالسفارة ، وقد قضى بالرياض أربعة أعوام ، وقد سعدتُ كثيراً كما سعد غيري من الجالية السودانية بالرياض وما حولها بالتعرف عليه وتكرار اللقاء به ، فهو إن أردنا التعريف به بإيجاز – ونحسبه والله حسيبه – ممن (يألف ويؤلف) ، وهبه الله تعالى نفساً سمحة ، وكما تضمن اسمه وصف (الجلال) فقد سمت أخلاقه إلى الرقي و (الجمال) ، فخلقه الحسن وأدبه الكريم وروعة تعامله لفتت الانتباه ، وكل من لقيته من أهل الرياض ممن تعرّف عليه ، ممن له به معرفة مباشرة أو غير مباشرة وجدت لديه الإعجاب بطيبته وبشاشته وبشره وحسن تعامله ، ولا نزكي على الله تعالى أحداً من خلقه.
* مما كان ولا يزال يتحدث عنه من تعرّفوا على سعادة الأخ جلال الدين بالرياض وفي غير الرياض يذكرون في ثنائهم عليه وإعجابهم به اجتماع الحزم وقوة الشخصية والصرامة وتجويد العمل والعناية به مع الجانب الآخر وهو سماحة النفس وحسن الخلق وطيبة السوداني المعهودة وروعة تعامله ، وإن اجتماع الجانبين في الشخص لهو من التوفيق من الله تعالى لصاحبه ، كيف إذا كان الموصوف بذلك ممن حظي بثقة رئاسة الجمهورية باختياره للمنصب الرفيع الذي يشغله الآن ، في وقت بلادنا أشد حاجة فيه من غيره إلى مضاعفة الجهود في الإصلاح وإلى حسم بعض طرق الفساد وسبله ، وإلى مزيد من الضبط والتطوير في عدد من الجوانب المهمة .
*لم أعهد في نفسي الكتابة في هذا العمود الذي تجاوزت مسيرته عشرة أعوام عن أشخاص بعينهم من المسؤولين ، لكني رأيت أن من حق الجهات المسؤولة عليَّ أن أتقدّم لها بالشكر على هذا الاختيار الذي لقي الإعجاب والسرور والاستبشار. والمنتظر والمؤمّل في سعادته تحقيق إنجازات تفرح وتسعد أهل بلدنا الطيبين الصابرين المستبشرين بالفرج من عند الله تعالى الجواد الكريم واليسر رغم شدة المعاناة وقلة ذات اليد.
* ما أجمل اجتماع الأمرين ، فقد جاء في الذكر الحكيم قول الرب الكريم : (قالت يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) إن القوة والأمانة هما من أعظم ما ينبغي تحققهما في صاحب المنصب والوظيفة ، والقوة يراد بها قدرته على إنجاز وأداء ما يكلف به من أعمال ، والأمانة يراد بها أداؤه للأعمال كما يجب،وحفظه لها،والآية قد وردت في قصة نبي الله موسى عليه السلام عندما سقى للمرأتين وقد ظهرت قوته في رفعه للصخرة أو الحجر عن البئر ، وظهرت أمانته في تعامله مع المرأة عندما طلب منها أن تمشي وراءه وفيما ظهر لها في الموقف من حديثه وسمته وخلقه. ولا بد من اجتماع الأمرين : القوة والأمانة ، فقد يكلف بالعمل من هو أمين إلا أنه ضعيف الشخصية لا يستطيع الضبط وليس لديه حزم فتضيع الحقوق بضعفه ، أو قد يكون ضعيف الأداء ولا يعرف الإنتاج ولا البذل فتكون ثمرته (لا شيء) ، وقد يكلف القوي ذو الحزم إلا أنه لا يكون أميناً فيتلاعب بالمهام والصلاحيات أو الأموال أو الممتلكات وغيرها ، ومن عدم الأمانة أن يكون دينه رقيقاً لا يخاف من الله ولا يخشى من أكل المال بالباطل ، ويؤكد هذا المعنى ما ورد في قول نبي الله يوسف عليه السلام عندما قال للعزيز: (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فقد ذكر الحفظ وهو من الأمانة ، فإن الأمين هو الذي يحفظ الحقوق ويؤديها ، وذكر العلم وهو المعرفة بالأمور وخبرتها وإدراك ما يجب حفظه ، وهذا من الأمانة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فإن أداء الأمانة يوجب معرفة كيف يكون أداؤها وحدود ذلك ، وأيضاً العلم يتضمن الإشارة للقوة على التنفيذ ، فهو يعلم أنه أهل لتحمل الأمانة ولحفظها وقادر على أداء ما يجب عليه فيها.
* هنيئاً لبلدنا بسعادة الأخ الفريق جلال الدين الشيخ وأمثاله ، وهنيئاً له ولأهله بسيرته الحسنة لدى معارفه ومحبيه ، وله منا ولبلدنا الحبيب الدعاء بالتوفيق والتسديد والنجاح والإصابة والفلاح.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search