د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

أمير مكة المكرمة وحماية جناب التوحيد

يمارس فيها شركيات وبدع بالتمسح بأشجارها وأحجارها.. طلباً للخير ودفعاً للشر بحسب ما لديهم في اعتقادهم من بعض المعتمرين من جنسيات مختلفة والقادمين حديثاً إلى الأراضي المقدّسة، حيث أن هذه المنطقة هي المنطقة التي نشأ فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في صغره وطفولته لما أرضعته حليمة بنت أبي ذويب السعدية فيها.
 فلما بلغ المقطع أمير منطقة مكة المكرمة وجّه بقطع الأشجار وإزالة الأحجار قطعاً لوسيلة الشرك وذريعته وحماية لجناب توحيد الله تعالى رب وخالق العبيد الذي خلق الخلق جميعاً لعبادته وطاعته ودعائه وطلب البركة منه، ونصرة منه للعقيدة الصحيحة وتأسياً بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي حمى جناب التوحيد وسدّ كل طريق حسي أو معنوي يؤدي إلى الإشراك بالله تعالى، وفي صحيح السنة أحاديث كثيرة قولية وعملية وهو الذي سار عليه الصحابة الكرام من بعده وسار على منهاجهم من اتبعهم بإحسان من حكام وعلماء المسلمين في العصور المختلفة.
وقد تم قبل يومين دك تلك المواقع وإزالة كل ما يتم التبرك والتمسح به به .. وجاء القرار الموفق الذي فيه حماية جناب التوحيد وسد طريق الشرك بعد تداول مقطع التمسح في وسائل التواصل الاجتماعي.. ليعقبه مقاطع الإزالة التي أسعدت وأبهجت قلوب الموحدين، والشيء من معدنه لا يستغرب جزاهم الله خيراً وضاعف مثوبتهم .
وإن ما فعله صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة في هذا الموقف السديد هو ما سار عليه جميع ملوك المملكة العربية السعودية رحمهم الله تعالى منذ قيام الدولة السعودية الأولى، لما اجتمع العلم والسيف في اجتماع الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله.
وهو ما كان عليه جدُّه الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله مؤسس الدولة السعودية الثالثة الذي كان يرسل العلماء ليبينوا للناس تحريم البناء على القبور، وأن البناء على القبور وسيلة للوقوع في عبادة الموتى المقبورين، ودعائهم من دون الله تعالى، وما فعله هو الذي أمر به النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما بينه علي رضي الله عنه لما قال لأبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) رواه مسلم، وهو ما قرره الأئمة الأعلام كالأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومن نحا نحوهم رحمهم الله، وهو المقرر لدى المحققين في المذهب المالكي، قال القرطبي المفسر الفقيه الأصولي المالكي رحمه الله : (وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وأما تعلية البناء الكثير على ما كانت الجاهلية تفعله تفخيماً وتعظيماً فذلك يهدم ويزال، فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبهاً بمن كان يعظم القبور ويعبدها، وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ينبغي أن يقال هو حرام، والتسنيم في القبر ارتفاعه قدر شبر، مأخوذ من سنام البعير).
ومما يؤكد سلوك الملك عبد العزيز لهذا المنهج الموفق في إرسال العلماء لإقامة الحجة ومناقشة القائمين على أمر الأضرحة قبل هدمها هذه الرسالة: (من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب الأخ المكرم الأفخم الشيخ عبد الله بن سليمان آل بليهد ــ سلمه الله تعالى ــ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن حالكم لا زلتم بخير وسرور, أحوالنا من كرم الله جميلة, خطك المكرم الذي صحبه الأخ حَمَد وَصَل، وجميع ما عرفت كان معلوماً، خصوصاً جمعكم العلماء والمدرسين واستفتاءكم منهم، ومناظرتكم معهم، وجوابهم لكم الجميع ... ) إلى أن قال: ( أمس جانا تَيْل من إبراهيم السالم مضمونه أنكم باشرتم العمل بهدم القباب، وأن العمل جارٍ في ذلك لا بد ــ إن شاء الله ــ تم العمل ولا بقيتوا شيء، والإفادة قادمة منكم لنا بذلك، الله تعالى يجعل أعمالنا وأعمالكم خالصة لوجهه الكريم، ويوفقنا وإياكم لما يحبه الله ويرضاه هذا ما لزم تعريفه والله يحفظكم محروسين, والسلام) (المصدر: وثائق عصر الملك عبد العزيز المحفوظة في دارة الملك عبد العزيز دارسة تحليلية، د. خولة بنت محمد بن سعد الشويعر ص249).
ومن أقواله مؤسس الملك عبد العزيز التي تبين عنايته بشعيرة ــ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ــ قوله : ( وإني آمر جميع أمرائي من الحاضرة والبادية، وكذلك من منا له معرفة في دين الله، ويرجو ثواب الله، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويحضوا الناس على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يقوموا بذلك ظاهراً وباطناً، على العسر واليسر، ولا نأخذ في ترك ذلك عذراً عند الله ــ سبحانه وتعالى ــ ثم عندي وعند المسلمين) (المصدر: مختارات من الخطب الملكية، دارة الملك عبد العزيز، (1/128 – 129)).
ومن أقوال الملك عبد العزيز رحمه الله الذي يؤكد العناية بأمر العقيدة والتوحيد وبيان إجماع الأئمة عليه قوله: (إن بعضكم يلتبس عليه الأمر في بعض أئمة المسلمين ومعتقداتهم، ويخص أحداً دون أحد بالتفضيل، فأحببتُ أن أشرح أمر الاعتقاد الذي ذكره المشايخ في خطبهم، وهو ذكرهم أن معتقد المسلمين واحد ــ حضرياً وبدوياً ــ تعرفون أن أصل المعتقد كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وما كان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم السلف الصالح من بعدهم، ثم من بعدهم أئمة المسلمين الأربعة: الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد والإمام أبو حنيفة، هؤلاء اعتقادهم واحد في الأصل، وهو أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية, وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتقرير ذلك في كتب العلماء الذين تراجعونهم ــ بحمد الله ــ كل ساعة، فهم في هذا الأصل واحد, وقد يكون بينهم اختلاف في الفروع، كلهم على حـق ــ إن شاء الله ــ ومن حذا حذوهم إلى يوم القيامة, ونحن ــ أهل نجد كافة ــ أخذنا بمذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع، وإلا في الأصل نحن والمذكورون أعلاه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم....) (المصدر: احتساب الملك عبد العزيز رسالة دكتوراة قدّمت بجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان للباحث : الدكتور عبد الرحمن بن حسين الفيفي ص 352).
وبعد شكر الله تعالى فإن الشكر الجزيل لصاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة لهذا التوجيه الكريم، ومما يستفاد من هذا الموقف الموفّق المسدّد تذكير حكام الدول وقادتها بالعناية بأمر العقيدة والتوحيد والتأسي بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك وتوجيه وسائل الإعلام لتؤدي دورها المنوط بها في حفظ ثوابت الدين ومحكمات الشريعة ورعايتها الحق الأعظم والأول والأكبر الذي خلق الله لأجله الخليقة وهو عبادته وطاعته وحده وعد الإشراك به بنبي أو ملَك أو ولي أو شجر أو حجر، ومما يستفاد من الموقف أن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن الكريم، فليسخّر كل صاحب سلطان سلطانه في نصرة الحق وقمع ودمغ الباطل، وهي مسؤولية عظيمة وواجب كبير يسأل عنه أمام الله جل وعلا في يوم تشخص فيه الأبصار وتتساوى فيك الملوك والجنود، ومما يستفاد من الموقف أهمية العناية بالعقيدة الصحيحة في التعليم والتدريس والوعظ والإرشاد والتوجيه، وأداء الحق العظيم بقيام العلماء والدعاة وأئمة المساجد وخطبائها بواجبهم الكبير في تبصير الناس بالحق ودلالتهم عليه وحثهم على التمسك به وتحذيرهم من الباطل والمنكر بأنواعه وكشفه لهم بالأدلة الشرعية، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبمنهج الوسطية والاعتدال دون إفراط أو تفريط أو غلو أو جفاء .. والموفّق من وفّقه الله.

تواصل معنا

Who's Online

612 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search