د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

أسباب تسلُّل الفكر التكفيري إلى بعض جامعاتنا

إن من الثغرات التي نفذ من خلالها الفكر التكفيري الخارجي إلى بعض جامعاتنا نشر بعض الكتب التي تضمّنت الحكم على المجتمعات الإسلامية بأنها مجتمعات جاهلية!! نعم؛ نشرها في أوساط الطلاب والطالبات، وقد اجتهد دعاة المنهج التكفيري في إقناع الطلاب والطالبات ــ مستغلين أن الطلاب والطالبات ليست لهم خلفية علمية بأصول العقيدة الإسلامية ومسائل الإيمان الكفر ــ فزيّنوا لهم أنه لا توجد دولة مسلمة في هذا الزمان، وأن الناس قد تخلّوا عن الإسلام، وأنهن يعيشون في مجتمع جاهلي !! ولمّا لم تكن لأولئك الطلاب الحصانة العلمية التي يردّون بها الشبهات التي كرّرت عليهم في هذه المسألة، ولمّا أحكم دعاة التكفير قبضتهم بعد أن حكموا على حكام المسلمين وعلمائهم، وشوّهوا صورة العلماء ووصفوهم بأنهم علماء السلاطين وأنهم منافقون وأنهم مرجئة، كما شوّهوا صورة الدعاة وطلاب العلم الذين ينشرون الحق بدليله ويبينون الباطل ويكشفونه بحكمة وعدل، لهذا ولذاك وبسبب نشر تلك الكتب والقراءة منها اقتنع بعض أولئك الطلاب والطالبات المساكين الضحايا.
أظنّ أن الأمر بحاجة لأن أضع بين يدي القراء الكرام أنموذجاً من بعض العبارات التي تضمنتها بعض الكتب التي نشرت في بعض الجامعات فكانت من أسباب تسلّل المنهج التكفيري إلى طلابنا وطالباتنا، وقد التقيتُ ببعض الطلّاب فأكّد لي ذلك وسمّوا الكتب التي روّجت بينهم.
يقول سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) (ص158) ما نصه : (والمسألة في حقيقتها مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام، وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً، إن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون، وهم يحيون حياة الجاهلية، وإذا كان فيهم من يريد أن يخدع نفسه، أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام ممكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية، فله ذلك، ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً، ليس هذا إسلاماً وليس هؤلاء مسلمين).
ويقول ــ أيضاً ــ في كتاب (في ظلال القرآن) ( 2/1057): (لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين بلا إله إلا الله، فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن : لا إله إلا الله..... البشرية بجملتها بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات (لا إله إلا الله) بلا مدلول ولا واقع. وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة ؛ لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد من بعد ما تبين لهم الهدى، ومن بعد أن كانوا في دين الله).
وقال ــ أيضاً ــ في نفس الكتاب (4/2122) : (إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة، ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي).
أقول: هذه العبارات وأمثالها تقرأ من كتب على طلاب ليست لديهم ثقافة إسلامية ولم يدرسوا أسس العقيدة الإسلامية، ومن ثمّ لم يطلعوا على ما يعرفون به بطلان هذا الأحكام التي خطّها سيد قطب في بعض كتبه ــ وللأسف ــ تم نشرها بعد طبعها .. وأثّرت في بعض الناس فحكموا على مجتمعات المسلمين بأنها جاهلية، وأن مساجدهم معابد جاهلية، ورتّب بعضهم المفارقة للمجتمع المسلم بتدرّج وصاغوا لذلك مصطلحات ومضامين، بغير بيّنة أو برهان.
إن المسلم يجتمع فيه مع إيمانه وتوحيده العصيان والفسوق، ويبقى المسلم مسلماً وإن ارتكب الكبائر ما لم يستحلها، عن أَبي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهْوَ نَائِمٌ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ، متفق عليه.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ــ صلى الله عليه وسلم ــ « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ » رواه مسلم.
كيف يحكم على المسلمين بأن مجتمعاتهم جاهلية وأنهم لا يحكمون بشرع الله، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة تقام في بلاد المسلمين والناس يصومون ويزكون ويحجون، والقرآن يتلى ويحفظ والسنة تنشر، والناس يتزوجون ويبيعون ويشترون ويتعاملون في الجملة بأحكام الشرع ؟!! والمخالفات لدى بعض المسلمين سواء بارتكاب نواقض أو نواقص للدين لا تجعل بقية المجتمع المسلم في حكمهم، فالبعض يشرك بالله في عبادته وينحرف في فهم كلمة لا إله إلا الله، بل ويرتكب ما يناقضها، والبعض يعرض عن دين الله، لكن هل يبرّر انحراف بعض المسلمين ووقوعهم في نواقض للدين أو وقوعهم في نواقص من الكبائر ونحوها، هل يبرّر هذا الحكم الذي لقّن لبعض الطلاب والطالبات لأنه قد تضمنته بعض الكتب؟!
وقد انتقد هذه العبارات وهذا الفكر الذي برز في بعض كتب سيّد قطب وتأثر به بعض الكتّاب المعاصرين، انتقدها علماء كثر، من بلاد عديدة ومتنوعة لا يحصون إلا بكلفة، ومن باب (وشهد شاهد من أهلها) وحتى لا يغضب علي كثيرٌ ممن لن يعجبهم هذا المقال، فإني أضع بين يدي القراء نقد (القرضاوي) لسيد قطب في حكمه على بلاد المسلمين ومجتمعاتهم!! فلربما النقل عن القرضاوي في هذه المسألة سيحمل البعض ــ الذين أعنيهم ــ على البحث والتحرّي لمعرفة الحق من الباطل والصواب من الخطأ، وذلك للصلة الفكرية والمنهجية بينهما. وللقرضاوي أخطاء معلومة سبق لي نقد بعضها عبر هذا العمود، لكن الإيراد عنه هنا من باب الإلزام لبعض المتأثرين سواء بسيد قطب أم القرضاوي، وأنصح نفسي والجميع بالتجرد للحق وقبوله، كما أنصح بعرض أقوال الرجال على الحق؛ فقد تراجع القرضاوي أخيراً عن كلامه في العمليات الانتحارية وبيّن أنه تراجع عن القول بجوازها، كما قد تراجع قبل ذلك عن كلامه في ما يسمى بحزب الله !! وقال عن نفسه إنه قد تراجع عن الثناء عليهم والإشادة بهم واعترف بقوله إن علماء السعودية كانوا أعلم منه في ذلك، وهذه التراجعات تؤكد التحري بعرض كلام أي شخص على الكتاب والسنة، فما وافق قبل وما لم يوافق رد على قائله كائناً من كان.
قال القرضاوي في كتاب : (أولويات الحركة الإسلامية ص: 110) : (...في هذه المرحلة ظهرت كتب الشهيد (هكذا قال ووصف) سيد قطب، التي تمثل المرحلة الأخيرة من تفكيره، والتي تنضح بتكفير المجتمع، وتأجيل الدعوة إلى النظام الإسلامي بفكرة تجديد الفقه وتطويره، وإحياء الاجتهاد، وتدعو إلى العزلة الشعورية عن المجتمع، وقطع العلاقة مع الآخرين، وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة، والإزراء بدعاة التسامح والمرونة، ورميهم بالسذاجة والهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية، ويتجلى ذلك أوضح ما يكون في تفسير (في ظلال القرآن) في طبعته الثانية، وفي (معالم في الطريق)، ومعظمه مقتبس من الظلال...).
وبيّن القرضاوي أنه قد قاوم هذا الفكر ــ التكفيري الذي جاء به وقاله سيد قطب ــ حسن الهضيبي وآخرون في أبحاث أشرف عليها الهضيبي في كتاب (دعاة لا قضاة) …وقال إن الندوي كذلك ممن بيّنوا هذا الخلل الفكري، وذكر أن المحدّث الألباني أنه أيضاً ممن حذّر ونبه إلى ذلك.
قلتُ: في هذه الحلقات حاولت أن أوجز حسب ما ظهر لي أهم الأسباب التي من خلالها تسلّل الفكر التكفيري إلى بعض جامعاتنا، إبراءً للذمة ونصحاً للأمة، وأطمع أن يعتني العلماء والباحثون بهذا الباب، وأن يعلن عن الحوار فيه والمناقشة العلمية في هذه المسائل، ليواجه الفكر بالحجج العلمية والأدلة الشرعية، ويكون على المنهجية العلمية والمحاورة الموضوعية.
وبقيت أسباب أخرى سأوردها بمشيئة الله تعالى في ثلاث حلقات في نهاية الأسبوع المقبل.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

376 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search