د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

أسباب الحكم بالتكفير بين (أهل السنة) و (الصوفية) (3)

وأدعو الجميع للمقارنة لمعرفة أين هو داء التكفير غير الصحيح، وعلى كل من يريد أن يتكلّم في هذا الباب أن يعرف ما هي أسباب الحكم بالتكفير عند (أهل السنة) وما هي أسباب ذلك عند (الصوفية)، وأكمل فأقول:
ثانياً: إن أهل السنة والجماعة لا يكفّرون بالكبائر والمعاصي والأخطاء التي لم يعتبرها الشارع كفراً، فلا يكفرون مسلماً لارتكابه المعاصي والكبائر، مثل أن يقتل نفساً أو يشـرب الخمـر أو يأكـل الربـا أو يفعـل الزنـــا أو يسـرق ونحو ذلك من الكبائر، مع استحقاق العاصي في أن يطبِّق عليه ولي الأمر العقوبة لفعله هذه المعاصـي والكبائــر من قصاص أو حــد أو تعزير، وعلى فاعلها التوبة والاستغفــار.
قال الإمام الطحاوي: (ولا نكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) شرح العقيدة الطحاوية.
وقال أبو عثمان الصابونيُّ: (ويَعتقدُ أهلُ السنَّة أنَّ المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرةً صغائرَ كانت أو كبائرَ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غيرَ تائبٍ منها ومات على التوحيد والإخلاص فإنَّ أمره إلى الله عزَّ وجلَّ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنَّةَ يوم القيامة سالِماً غانماً، غيرَ مبتلًى بالنار ولا معاقَبٍ على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه واستصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذَّبه مدَّةً بعذاب النار، وإذا عذَّبه لم يخلِّده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني.
وقال ابن تيميَّة كما في (مجموع الفتاوى): (إنَّ تسلُّط الجُهَّال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما أصل هذا منَ الخوارج والروافض، الذين يكفِّرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدِّين، وقد اتَّفَق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمُجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يُؤخَذ من قوله ويترك، إلا رسولَ الله ــ صلى الله عليه وسلم، وليس كل مَن يترك بعضُ كلامه لخطأٍ أخطأه يَكفر ولا يفسق، بل ولا يأثم ؛ فإنَّ الله تعالى قال في دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى قال: قد فعلت) رواه مسلم.
وقال ابن تيمية: (فصل: ومن أصول أهل السنة أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي) العقيدة الواسطية.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (ولا أكفّر أحداً من المسلمين بذنب، ولا أخرجه من دائرة الإسلام) مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ثالثاً: لم يكفّر أهل السنة والجماعة من خالفوهم من الطوائف لمجرد مخالفتهم لهم، وهذا أثر واضح يبيّن أن في اتباع منهج أهل السنة والجماعة الوقاية من الغلو والتطرّف في باب التكفير، فإنه ومع أن كثيراً من أهل البدع يكفرّون أهل السنة والجماعة لمخالفتهم لهم إلا أن أهل السنة والجماعة لا يكفّرون تلك الطوائف لمجرد المخالفة، وذلك لأنهم يستندون في الحكم بالتكفير إلى ما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا المعلم من المعالم التي تبيّن بوضوح وجلاء الوسطية والاعتدال عند أهل السنة والجماعة، فلم يكفّروا من يكفرونهم، ولم يظلموا من يظلمونهم، وإنما يتقيّدون بالشريعة، وهو من الأمور المعلومة ضرورة عن أهل السنة والجماعة.
قال ابن تيمية: (وأهل السنة لا يبتدعون قولاً ولا يكفرون من اجتهد فاخطأ وإن كان مخالفاً لهم مستحلاً لدمائهم، كما لم تكفر الصحابة الخوارج مع تكفيرهم لعثمان وعلي ومن والاهما واستحلالهم لدماء المسلمين المخالفين لهم)مجموع الفتاوى
وقال أيضاً: (... مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة. وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالاً مبتدعين وظلمة فاسقين) مجموع الفتاوى.
وقال أيضاً بعد ذِكْرِ الخوارج: (وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالُهم بالنصِّ والإجماع لم يكفروا مع أمرِ الله ورسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقُّ في مسائلَ غَلِطَ فيها مَن هو أعلم منهم؟ فلا يحلُّ لأحدٍ من هذه الطوائفِ أن تكفِّر الأخرى، ولا تستحلَّ دَمَها ومالَها وإن كانت فيها بدعةٌ محققَّةٌ، فكيف إذا كانت المكفِّرة لها مبتدعةً أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم جميعاً جهَّالٌ بحقائقِ ما يختلفون فيه) مجموع الفتاوى.
وبعد، فهذا ما أردتُ وضعه في هذه الحلقات الثلاث للقراء.. وطالب الحق يكفيه دليل واحد، وأما صاحب الهوى فليس لنا عليه سبيل.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search