د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

أسباب الحكم بالتكفير بين (أهل السنة) و(الصوفية) (2)

هذه مقارنة (موجزة) لبيان الأسباب التي يحكم بها بالتكفير بين أهل السنة والجماعة والصوفية، وفي الحلقة الماضية بينت بعض أسباب الحكم بالتكفير عند الصوفية، وفي هذه الحلقة والتي يليها أبيّن أسباب الحكم بالتكفير عند أهل السنة والجماعة :
إن أهــل الســنة والـجـمـاعـة يعظِّمــون لـفـــظ (التكفــيـر) جــــدًّا، ويجعلونه حقًّا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقط، فلا يجوز ولا يسوغ عندهم تكفير أحدٍ، إلا من كفَّره الله تعالى أو كفَّره رسوله صلى الله عليه وسلم، ولقد دلَّت النصوص الشرعية على أن التكفير (حكمٌ شرعيٌّ) لا يتم إلا بوجود أسبابه التي حدَّدها الشرع.
قال ابن تيمية في كتاب (منهاج السنة النبوية) : (فإن الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل، فالكافر من جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنًا ومسلمًا).
وقال في (مجموع الفتاوى) : (والكفر هو من الأحكام الشرعية، وليس كلُّ من خالف شيئًا عُلِمَ بنظر العقل يكون كافرًا، ولو قُدِّر أنه جحد بعضَ صرائحِ العقول لم يُحكَم بكفره حتى يكون قولُه كفرًا في الشريعة).
وقال في (مناج السنة النبوية) : (الكفر والفسق أحكام شرعية، ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل. فالكافر من جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنًا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلًا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها،.. فهذه المسائل كلها ثابتة بالشرع).
وقال الشوكاني في كتاب ( السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار) : (أعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر، لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يقدمَ عليه إلا ببرهانٍ أوضحَ من شمس النهار؛ فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة.. ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظمُ زاجراً، وأكبر واعظاً عن التسرع في التكفير).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب كما في (الدرر السنية) : (التَّجاسُر على تكفير مَن ظاهرُه الإسلامُ مِن غير مستند شرعي، ولا برهان مرضي يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال، ومن عدم الخشية والتقوى فيما يصدر عنه منَ الأقوال والأفعال.. ).
وقال الشيخ محمد العثيمين في (مجموع الفتاوى) : (الأصل في مَن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه، حتى يتحقق زوال ذلك عنه، بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التَّساهُل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين: أحدهما: افتراء الكذب على الله - تعالى - في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نَبَزَه به، أما الأول: فواضح حيث حَكَم بالكفر على مَن لم يكفره الله - تعالى - فهو كمَن حَرَّمَ ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده؛ كالحكم بالتحريم أو عدمه.
وأما الثاني: فلأنه وصف المسلم بوصف مضادٍّ، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحريٌّ به أن يعود وصفُ الكفر عليه؛..).
إلى قوله : (فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن يُنظر في أمرين: الأمر الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفِّر؛ لئلاَّ يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعيَّن؛ بحيث تتم شروط التكفير في حقِّه، وتنتفي الموانع).
وجاء في بيان هيئة كبار العلماء في - المملكة العربية السعودية - في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة في 2/ 4/1419هـ برئاسة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ما نصه: (التكفير حكم شرعي، مَرَدُّه إلى الله ورسوله، فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله، فكذلك التكفير، وليس كلُّ ما وصف بالكفر مِن قول أو فعل، يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة. ولما كان مردُّ حكم التكفير إلى الله ورسوله، لم يَجُز أن نكفِّر إلا مَن دل الكتاب والسنة على كفره دلالةً واضحة، فلا يكفي في ذلك مجردُ الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تُدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقلُّ مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يُدْرَأَ بالشبهات؛ ولذلك حذر النبي( صلى الله عليه وسلم) من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر.. والتسرع في التكفير يترتب عليه أمورٌ خطيرة، من استحلال الدم والمال، ومنع التوارث، وفسخ النكاح، وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم عليه لأدنى شبهة؟!..) (مجلة البحوث الإسلامية).
إن أهل السنة والجماعة يتقيَّدون في هذا الباب (الخطير)، بما ورد في النصوص الشرعية كما بيّنته هذه النقول المباركة، وكان من آثار منهج أهل السنة والجماعة في ذلك عليهم أنهم :
أولًا : يتحرَّزون من الوقوع في التكفير ويحذرون ويحذّرون من تكفير المسلمين، إلا ما ثبت به (الدليل الشرعي) عملًا بالأحاديث الكثيرة الواردة في ذلك، ومنها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا»رواه البخاري.
وعـن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمـع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقـول: «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»رواه مسلم.
قال ابن عبد البر المالكي في (التمهيد) : (فقد باء القائل بذنب كبير، وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول، والنهي عن أن يقال لأحد من أهل القبلة: يا كافر).
وقال ابن الوزير في (إيثار الحق على الخلق) : (وقد عُوقِبَتِ الخوارج أشد عقوبة، وذُمَّت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين، مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله - تعالى - وتعظيمهم الله - تعالى - بتكفير عاصيه، فلا يأمن المُكَفِّر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خَطَر في الدين جليل، فينبغي شدة الاحتراز فيه مِن كل حليم نبيل).
وقال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) : (ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفّر أهلُها المسلمين، واستحلوا دماءهم وأموالهم).

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search