د. عارف الركابي

د. عارف الركابي

«تكفيري كسلا» على خطى عباس الباقر والخليفي

تلك المدينة التي أسس فيها لأهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح الشيخ محمد الحسن عبد القادر رحمه الله تعالى وغفر له دعوة علمية وسطية سارت على أصول وقواعد أهل السنة والجماعة لا سيما في أبواب التعامل مع الناس سواء الموافقين أم المخالفين.. على قواعد العلم والعدل.. فلم تعرف تلك المدينة في تأريخها المعاصر العنف أو التطرف أو الغلو في التكفير أو التدمير رغم التباين بين الجماعات والطوائف التي تعيش بها، وقد عرفت هذه المدينة في تأريخها الحديث معارك طائفية بين الختمية والمهدية دوّنت في كتب تأريخ السودان الحديث وقد بلغت أشدها بعد دخول المستعمر الإنجليزي .. إلا أنها في زماننا المعاصرلا يعرف أهلها العنف في الشوارع ولا الأسواق فضلاً عن أن يكون في المساجد بيوت الله ، لم يعرفوا ذلك حتى غزاها في الفترة الأخيرة بعض التكفيريين ممن أشربوا شبهات التكفيريين.. من أحفاد ذي الخويصرة وعبد الرحمن بن ملجم ، من أتباع الحرورية الخوارج ، ممن ساروا على نهج الخليفي الليبي الذي أفرغ رصاصه في المصلين بعد خروجهم من مسجد الشيخ أبي زيد رحمه الله يوم الجمعة قبل أربعة وعشرين عاماً ، وممن ساروا على نهج عباس الباقر العباس الذي صوّب رصاصه على المصلين بمسجد أبي بكر الصديق بالجرافة وهم يصلون صلاة العشاء في شهر رمضان قبل ثمانية عشرة عاماً ، وغيرهما ممن استهدفوا بأسلحتهم المصلين الركّع السجود الأبرياء في بيوت الله المساجد أحب البقاع إلى الله تعالى ، وكان منهم الجاني في حادثة قبل أمس جعفر بابكر إدريس الذي جدّد سنة جماعة التكفير في استهداف المصلين في المساجد.

وبحسب شهادة خاصة بناء على اتصال هاتفي أجريتُه مع الأخ الشيخ أبي البراء إبراهيم عثمان محمد إمام مسجد بلال بن رباح بحي «مكرام الدروة» بمدينة كسلا والذي وقعت فيه الحادثة، فإن الجاني من أهل الحي ولا يصلي مع الجماعة في المساجد ، بل يجلس خارج المسجد ثم يدخل بعد انتهاء الصلاة ليتحدّث عن الحكام ومن يرضون بحكمهم ويطلق عليهم أحكام التكفير ، وذكر الشيخ إبراهيم أن الجاني معروف بسلوكه مسلك جماعة التكفير منذ ما يقارب عشرين سنة ، وقد دوّنت عليه بلاغات في مرات متباعدة بتهمة التكفير الذي يجاهر به ، وذكر أن الجاني يكفّر الحكّام وعامة المسلمين ، وأنه جاءهم قبل عام في المسجد وبدأ في إلقاء كلمة وقاطعه الإمام والمصلون ومنعوه من الحديث ، ثم جاءه بعد فترة في بيته وأراد مناقشته وكفّر الحكام وعامة المسلمين ولم يقبل بالنصيحة ولم يستجب لدحض الشبهات ، وقبل أيام جاء في حلقة علمية وعظية في السوق وجلس يهدّد الدعاة المتحدثين والمستمعين في الحلقة، حتى كان قبل أمس إذ دخل بعد صلاة العشاء وأراد الحديث فلما أغلق الإمام مكبر الصوت ومنعه من الحديث أخرج السكين التي كان يحملها معه وكانت بيده عصا أيضاً ، وبدأ في الطعن والضرب مما نتج عنه وفاة اثنين من المصلين رحمهما الله تعالى وجرح ستة أشخاص من بينهم إمام المسجد وموت الجاني بعد ذلك ، أسأل الله تعالى أن يتقبل الموتى شهداء وقد بشّر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن قتلى الخوارج هم خير القتلى، وأسأله أن يشفي الجرحى ، وأن يحسن ثوابهم جميعاً ، وقد هلك الجاني ، وبحسب إفادة الأخ الشيخ إمام المسجد لي فإن الجاني ليس مختلاً عقلياً كما نشر البعض, بل إنه جاء ليجاهد في المصلين وإمامهم لأنهم يبينون باطله ومنعوه من أن ينشر انحرافه وضلاله في بيت من بيوت الله تعالى ، وأقول : بل هو مختل (فكرياً) ومنحرف (عقيدة) لأنه انتهج نهج الخوارج المارقين ، الذين لا يفقهون في الدين شيئاً وما يقرأونه من القرآن فإنه لا يجاوز حناجرهم.
وقد ناظر الصحابة الكرام الخوارج ورجع منهم العدد الكثير، منها المناظرة التي ناظرهم فيها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، فرجع منهم إلى الصواب بعد المناظرة ألوف ، وهذا مما يؤكد أنه فكر يقوده في المقام الأول : الجهل .
وكيف يسلم التكفيريون من الجهل وهم لا يعترفون بالعلماء الربانيين؟! الذين يبينون الحق والصواب من الباطل والخطأ؟! بل إن العلماء عند التكفيريين في مقدمة أهل الضلال!! وهذا سبب استهدافهم مساجد أهل السنة السلفيين دون غيرهم !!
والحادث الأليم بمدينة كسلا في أحد مساجدها يذكّرنا بحادثة اعتداء التكفيري عباس الباقر في مسجد أبي بكر الصديق بمدينة الجرافة وقبله حادثة التكفيري الليبي الخليفي.
فيا لله !! ما الذي أوصل هؤلاء إلى هذا الغلو؟! وإلى هذا الضلال السحيق ؟!لم تبق حرمة لمسلم ولا لمسجد ولا ليوم الجمعة ولا لشهر رمضان عندهم !!أين هم من قول المصطفى عليه الصلاة والسلام : (إنّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) رواه البخاري ومسلم .أين هم من قوله عليه الصلاة والسلام : (إذا قال الرجلُ لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدُهما، فإن كان كما قال وإلاّ رجعت عليه) رواه البخاري ومسلم.
لماذا يقتلون الأنفس البريئة ؟ وقد قال الله تعالى : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً).
لماذا يفسدون في الأرض ؟!إن الغلو في الدين قد أهلكهم كما أهلك من كان قبلهم فقد قال المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو يحذر بقوله : (إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين).
إن التكفير داء يستشري بين الجهال وحدثاء الأسنان ، بعد وقوعهم في مصايد من سلك هذا النفق المظلم ممن ينشرون الشُبَه ، وينشرون هذا الفكر المنحرف بين شباب المسلمين. يضلونهم ويفسدون عقولهم حتى يجعلونهم يتقربون بقتل أهل الإسلام بل وقتلهم في المساجد أحب البقاع إلى الله!!
إن الأسباب التي تؤدي لوجود هذا الفكر وانتشاره كثيرة، وهي معروفة ، فكان من المهم جداً أن يُعْتَنَى بهذه القضية المهمة وبهذه الأسباب على كافة المستويات حتى يحذره المسلمون . وقبل أيام نشرت بهذا العمود سلسلة من ست حلقات بعنوان : (أسباب تسلل الفكر التكفيري إلى جامعاتنا) وتضمّنت الحلقات توصيات لمعالجة تلك الأسباب ، والواجب على العلماء وجهات الاختصاص كبير أسأل الله تعالى أن يوفقهم للقيام به ، والله المستعان.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Search